شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٧٢ - الشرح
السامع قال اللّه تعالى: لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (النساء- ٧٨) لان كفار قريش لما كانوا ارباب الشبهات و الشهوات و الطبائع الغليظة و القلوب القاسية، فما كانوا يقفون على ما فى كتاب اللّه من المعانى اللطيفة و المعارف الحقيقية، لا جرم افصح اللّه عن عدم استعدادهم للاطلاع على المقصود الاصلى من انزال ذلك الكتاب.
و المراد من الفهم هاهنا هو ملكة الاقتدار على فهم المعنى من اللفظ او مطلقا، و مرجعه الى صفاء السر و لطافة الضمير و هو من اجل صفات العقل، و ضده الغباوة و هى عدم التفطن للمعنى و منشؤه ظلمة النفس و كثافة الباطن و احتجابه عن عالم النور و معدن الحضور، فالاول من صفات العقل و النور و الثانى من صفات الجهل و الظلمة.
قوله ٧: «و المعرفة و ضدها الانكار» و قد اختلفت الاقوال فى تفسير المعرفة فمنهم من قال: انها ادراك الجزئيات و العلم ادراك الكليات. و منهم من قال: انها ادراك البسائط تصورا كان لماهياتها او تصديقا بوجوداتها و العلم ادراك المركبات سواء كان باعتبار تصور ماهياتها او التصديق باحوالها، و من ثم يقال: عرفت اللّه و لا يقال: علمته.
و منهم من قال انها عبارة عن الادراك التصورى و العلم هو الادراك التصديقى، و هؤلاء جعلوا العرفان اعظم رتبة من العلم قالوا: لان تصديقنا باستناد هذه المحسوسات الى موجود واجب الوجود امر معلوم بالضرورة.
و اما تصور حقيقة واجب الوجود فامر فوق الطاقة البشرية[١]، لان الشيء ما لم يعرف لم يطلب ماهيته، فعلى هذا الطريق كل عارف عالم من غير عكس[٢]، و لذلك فان الرجل لا يسمى عارفا الا اذا توغل فى بحار العلوم و ميادينها و ترقى من مطالعها الى مقاطعها و من مباديها الى غاياتها بحسب الطاقة البشرية.
[١] الظاهر انه دليل لعدم امكان تصور حقيقة الواجب، لان الشيء ما لم يكن شأنه ان يعرف و يحصل فى الذهن لم يطلب ماهيته، و الواجب لم يكن شأنه ان يحصل فى الذهن.
[٢] لان المعرفة ان كان بالنحو الشهودى الحضورى، فهذه المعرفة يكون تصديق بوجوده دائما و لا عكس، مع ان فى كل تصديق لا بد من معرفة و تصور، و كل تصور خاص يلزمه التصديق الخاص و اما كل تصديق خاص فلا يلزمه التصور الخاص.