شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٧٦ - الشرح
معرض الامتنان على النبي ٦: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (آل عمران- ١٥٩).
و اللين هو المدارة و خفض الجناح، الا ترى الى الحق تعالى يرزق الكافر على كفره و يمهل له فى المؤاخذة عليه و قال عز و جل لموسى و هارون فى حق فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً (طه- ٤٤)، و هذا عين المداراة و كان من اخلاق النبي ٦ المداراة و احتمال الاذى، و بلغ من مداراته ٦ ما روى انه وجد قتيل من اصحابه بين اليهود فلم يجف عليهم و لم يزد على مر الحق بل وداه[١]. بمائة ناقة و ان باصحابه لحاجة الى بعير واحد يتقوون به، و كان من حسن مداراته انه لا يذم طعاما و لا ينهر خادما.
و روى عن انس انه قال: خدمت رسول اللّه ٦ عشر سنين فما قال لى اف قط، و ما قال لشيء صنعته لم صنعته و لا لشيء تركته لم تركته، فالمداراة مع كل احد من الاهل و الاولاد و الجيران و الاصحاب و كافة الخلق من اخلاق الأنبياء و الاولياء : و الصوفية و الحكماء رضى اللّه عنهم.
و قيل: لكل شيء جوهر و جوهر الانسان العقل و جوهر العقل الصبر، و كما ان المداراة و الصبر من خصائص العقل و كذلك من صفات الكفرة و الجهال المكاشفة مع الناس و المجاهرة بما اطلعوا على خفيات امورهم و عيوبهم و اظهار زلاتهم و قصوراتهم طلبا للتفوق على الخلق و التفاخر و الرعونة و غير ذلك من اغراضهم الخسيسة و دواعيهم الباطلة، و هذا من صفات الشياطين و الاشرار كما ان الاول من نعوت الملائكة و الاخيار.
قوله ٧: «و سلامة الغيب و ضدها المماكرة»، لما كان العقل جوهرا نورانيا يتجلى فيه حقائق الاشياء و هو محل معرفة اللّه و مظهر صفاته تعالى و ملكوته، فلا بد ان يكون كمرآة مجلوة صافيا عن الكدورت سالما عن الغش و العيب، مبرأ عن الدغل و المكر و الكذب، و اما النفوس الجاهلة المظلمة الخبيثة، فلكونها مدنسة بالشهوات ملطخة بالكدورات ممنوة بالعيوب و الافات و الامراض، فتضطر و تلتجئ ابدا فى المعاشرة
[١] اى اعطى ديته.