شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٠ - المشهد الثانى عشر فى موعظة خطابية و حكمة عملية خلقية يتهذب بها النفس عن ادناس الرذائل و يتطهر عن ارجاس السيئات العائقة لها عن التجرد التام و قطع العلاقة عن هذه الاجرام و صيرورتها عقلا مستفادا راجعا الى ربه و مبدعه مبدع الكل
السفينة التى تقع بها النجاة الى دار الرحمة و الرضوان فهى تقوى اللّه لا غير كما ذكر فى هذا الحديث.
و منها: كونها مما غرق فيه خلق كثير و هلكوا هلاك الابد و هو هلاك الروح، فان للانسان ثلاث حيوانات:
اولها: حياة البدن و هى حياة الطبيعية الدنيوية التى تشارك فيها جميع الحيوانات.
و ثانيتها: حياة النفس و هى التى تبقى بعد البدن لجميع افراد الانسان دون سائر الحيوان فيحشرون و يثابون او يعاقبون.
و ثالثتها: حياة الروح و انما هى بالمعرفة و اليقين و الايمان الحقيقى، و الموت الّذي بإزائه هو الكفر و العناد و الجهل و الاستكبار، و انما غرق فيها الاكثر لاغترارهم بما فيها من زهراتها و شهواتها المغوية و زينتها الفانية و تمتعهاتها الباطلة فهى بما فيها غارة مضلة يغتر بها الانسان و يهلك[١]. و قد حذر اللّه سبحانه عباده عن غرور الدنيا و فتنتها فى مواضع كثيرة من كتابه كما قال: لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ*، (لقمان- ٣٣) و قوله: وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُ، (الحديد- ١٤) فاذا كان كذلك فلا نجاة لاحد منها و غرورها الا بسفينة التقوى و التزهد فيها، و لكن التقوى يجب ان يكون محشوة بالايمان القلبى و الا فلا فائدة فيها و لهذا قال: و حشوها الايمان.
ثم لا بد له من التوكل باللّه و هو الوثوق به و الاعتماد عليه فى كل الامور لا على الاسباب، فان من لا يعتقد ان الامر كله بيد اللّه و لا يطمئن به فى انه متكفل لاموره بل يتقيد بالاسباب و يعتقدها مما يحتاج إليه فيعوقه ذلك عن السفر الى اللّه، كمن لا يسافر فى الدنيا وحده بل مع الرفقاء و القوافل و الاسباب حذرا من عدم القوت و خوفا عن قاطع الطريق فينتظر مدة مديدة لانتظار الاسباب.
فهكذا من لا يتوكل عليه تعالى فلا يسافر الى عالم القدس و لا يخرج من بيته مهاجرا الى اللّه و رسوله، فالتوكل بمنزلة شراع سفينة النجاة الّذي به يسرع سير السفينة و لذا قال: و شراعها التوكل، ثم مع التقوى و الايمان و التوكل لا بد له من عقل تام به يدرك
[١] كتب شارح الكبير فى صدر هذه الصفحة: اللهم ارحمنا و لا تؤيسنا.