شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٧١ - المشهد السادس عشر فى ان التفرد عن الناس و العزلة و الصبر عليها من علامات قوة العقل و كماله
و منها الخلاص من الفتن و الخصومات و صيانة الدين و النفس عن الخوض فيها و التعرض لاخطارها، و قلما يخلو البلاد عن تعصبات و فتن و خصومات، فالمعتزل فى سلامة منها.
و منها الخلاص من شر الناس، فانهم يؤذونك تارة بالغيبة و مرة بسوء الظن و التهمة و تارة بالاقتراحات[١] و الاطماع الكاذبة التى يعسر الوفاء بها و تارة بالنميمة او الكذب.
فربما يرون او يسمعون منك من الاعمال و الاقوال ما يبلغ عقولهم فيه فيتخذون ذلك ذخيرة عندهم لوقت يكون فيه فرصة للشر، فاذا اعتزلتهم و ما يعبدون من دون اللّه استغنيت عن التحفظ عن جميع ذلك.
و منها الخلاص من مشاهدة الثقلاء و الحمقى و مقاساة اطوارهم و اخلاقهم و كلماتهم الركيكة الباردة، فان رؤية الثقيل هو العمى الاصغر، و قيل للاعشى: لم اعمشت[٢] عينك؟ قال: من النظر الى الثقلاء، قال جالينوس: لكل شيء حمى و حمى الروح النظر الى الثقلاء: و قال الشعبى: ما جلست ثقيلا قط الا و قد وجدت الجانب الّذي يليه من بدنى كأنه اثقل من الجانب الاخر، فهذه فوائد العزلة.
و اما فوائد الاختلاط فهى كثيرة لا تحصى، فان كثيرا من المقاصد الدينية و الدنياوية انما يحصل من الاستعانة بالغير و الاستعانة بهم انما يكون بالمخالطة معهم، كيف و الانسان كما قيل مدنى بالطبع لا يتمشى امر دنياه و لا دينه أيضا عند الابتداء الا بالمعاشرة و المخالطة، فانظر الى فوائدها و الدواعى إليها كم هى؟
و هى كالتعليم و التعلم و النفع و الانتفاع و التأديب و التأدب و الاستيناس و الايناس و فضيلة الجمعة و الجماعات و الاعياد و زيارة الاخوان و الصلحاء و رؤية العلماء و اعتياد التواضع و استفادة التجارب، و الاعتبار بمشاهدة الاحوال و كسب الاخلاق
[١] الاقتراح: ابتداع الشيء من نفسك من غير ان تسمعه. و اقترح عليه بكذا: تحكم و سأل من غير روية.
[٢] اعشت( المخطوط و المطبوع).