شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٥ - البيان
الرابع الشيء الّذي به يقول الجمهور فى الانسان انه عاقل، و مرجعه الى جودة الروية و سرعة التفطن فى استنباط ما ينبغى ان يؤثر او يتجنب، و ان كان فى باب الاغراض الدنياوية و هوى النفس الامارة بالسوء، فان الناس يسمون من له هذه الروية المذكورة عاقلا و يعدون معاوية من جملة العقلاء.
و اما اهل الحق فلا يسمون هذه الحالة عقلا بل اسماء اخر كالنكراء او الشيطنة او الدهاء او شبه هذه الاسماء.
و الوجه فى ذلك: ان النفس الانسانية متى كانت نشأتها غير مرتفعة عن عالم الحركات و كان الغالب على طبعها الجزء النارى التى شأنها سرعة الحركة و قوة الاشتعال، فمثل هذه النفس النارية شديدة الشبه بالشيطان فى استنباط الحيل و المكر و الاستبداد بالرأى و العمل بالقياس الفاسد و الاباء و الاستعلاء و الغواية و الاغواء، بخلاف النفوس النورية المطمئنة الطبع المعتدلة الخلقة العالية الجوهر عن هذا العالم، فان شأنها الانفعال عن الملكوت الاعلى و التوكل على اللّه فى امر دنياها و استعمال الروية و الفكر على سبيل القصد[١]، فلا يكون مكارا و لا بليدا، فخير الامور اوسطها.
فهذا معنى العقل المستعمل فى هذا الموضع و مرجعه الى التعقل للامور و القضايا المستعملة فى كتب الاخلاق التى هى مباد للآراء و العلوم التى لنا ان نعقلها لنفعلها او نتجنب عنها، و نسبة هذه القضايا الى العقل المستعمل فى كتب الاخلاق كنسبة تلك العلوم الضرورية الى العقل المستعمل فى كتاب البرهان.
فذانك العقلان جزءان للنفس الانسانية: احدهما جزء انفعالى علمى ينفعل عن المبادى العالية بالعلوم و المعارف التى غايتها انفسها و هى الايمان باللّه و اليوم الآخر، و ثانيهما جزء فعلى عملى يفعل فيما تحته بسبب الآراء و العلوم التى غايتها ان يعمل بمقتضاها من فعل الطاعات و الاجتناب عن المعاصى و التخلق بالاخلاق الحسنة و التخلص عن الاخلاق الذميمة و هو الدين و الشريعة، فاذا حصلت الغايتان حصل التقرب الى اللّه
[١] اى التوسط.