شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢١٧ - الشرح
جميع الفضائل و الخيرات و الكمالات، لم يجز فى كرمه و رحمته وجوده ان يمسك عن الفيض و الرحمة و يظن بالخير و الجود على العالمين، فلا بد من ان يفيض عنه المخلوقات على النظام الافضل و الترتيب الاجود، و ان يبدأ بالاشرف فالاشرف كما يدل عليه قاعدة الامكان الاشرف.
و لا شك ان اشرف الممكنات و اكرم المجعولات هو العقل كما علمت، فهو اوّل الصوادر و اقربها من الحق و احبها إليه، و لهذا قال: ما خلقت خلقا هو احب الى منك، و سنعيد القول الى تحقيق محبة اللّه لخلقه، و هذا الموجود حقيقته حقيقة الروح الاعظم بعينها المشار إليه بقوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (الاسراء- ٨٥) و قوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ (الاعراف- ٥٤) و انما سمى بالقلم لانه واسطة الحق فى تصوير العلوم و الحقائق على الالواح النفسانية القضائية[١] و القدرية[٢].
فان قلم اللّه ليس قصبا و لا حديدا و لا جسما آخر، و كذا لوحه ليس خشبا و لا قرطاسا، و لما سماه قلما قال: اجر ما هو كائن الى يوم القيامة، و لكونه وجودا خالصا عن ظلمة التجسم و التحجب و عن ظلمات النقائص و الاعدام يسمى نورا، اذ النور هو الوجود و الظلمة هى العدم، و هو ظاهر لذاته مظهر لغيره، و لكونه اصل حياة النفوس العلوية و السفلية يسمى روحا، و هو الحقيقة المحمدية عند اعاظم الصوفية و محققيهم، لكونه كمال وجوده ٦ الّذي منه يبتدئ و إليه يعود، كما سيظهر من بعض الاحاديث المروية عن الائمة : و لهذا تحقيق برهانى يطول الكلام بذكره، و سنعود إليه فى شرح تلك الاحاديث.
و من امعن النظر فى هذا المقام وجد كل ما وصف به العقل الاول و حكى عنه كان من خواص روحه ٦، فقوله ٧: استنطقه، اى جعله ذا نطق و كلام يليق بذلك المقام، و قوله: ثم قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر، هذا حال روحه ٦ اذ قال له اقبل الى الدنيا و اهبط الى الارض رحمة للعالمين
[١] اى النفوس الكلية.
[٢] اى قوة الخيال التى للافلاك.