شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٣ - المشهد الاول فى بشارة اهل العقل من جهة بداية حالهم من كونهم مستعدين للتعليم قابلين لنور الهدى من الله طالبين للرشاد، ليكون تشويقا لهم الى طلب الهدى و تحسينا لهم على ما فعلوا
الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» (الزمر- ١٧ و ١٨)، اعلم ان هذه الآية تدل على فوائد:
الاولى: وجوب النظر و الاستدلال، و ذلك لان الهداية و الفلاح مربوطان بما اذا سمع الانسان اشياء كثيرة يختار منها ما هو الاحسن و الاصوب و ان يميز القشر عن اللباب و الاحسن الاصوب عما يخالفه فى كل باب، و ذلك لا يحصل بمجرد السماع و انما يتأتى بحجة العقل، و ذلك يدل على ان الموجب للاستحقاق متابعة حجة العقل و بناؤها على النظر و الاستدلال.
الثانية: ان الطريق الى تصحيح المذاهب و الاقوال قسمان: احدهما: اقامة الحجة و البينة على صحتها على سبيل التفصيل و ذلك لا يمكن الا بالخوض فى واحد واحد منها، و ثانيهما: ان نعرض قبل الخوض و البحث عن الدلائل و تزييف الشبهات تلك المذاهب على العقول و الاذهان[١]، فكل ما حكم به العقل السليم بانه افضل و احسن كان اولى بالقبول و الاتباع، مثاله صريح العقل شاهد بان القول بان اللّه العالم حق عالم قادر حكيم فى افعاله برئ من النقائص رحيم بالعباد اولى من انكاره، و كذا القول بان اللّه لا يجرى فى ملكه و سلطانه الا ما كان على وفق علمه و مشيته اولى من القول بخلافه، و ان القول بانه واحد فرد لا تركيب فيه و لا شريك له و لا شبه و لا ند اولى من القول بانه مبعض مؤلف ذو مشارك، و أيضا القول بانه مستغن عن الزمان و المكان اولى من القول بافتقاره إليهما، و القول بانه قد يعفو عن الكبائر و السيئات اولى بانه لا يعفو عنها البتة، و امثال هذه الابواب كثيرة جدا و كلها داخلة تحت قوله تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
الفائدة الثالثة: ان فى الآية دقيقة عجيبة و هى: ان حصول الهداية فى العقل و الروح اثر حادث فلا بد له من فاعل و قابل كما مر، اما الفاعل فهو اللّه سبحانه و لذلك قال: أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ، و اما القابلون فاليه الاشارة بقوله: أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ،
[١] اى قبل الخوض و البحث ... نعرض تلك المذاهب على العقول و الاذهان. اى على عقولنا.