شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٤ - المشهد الثالث
فلم يزل شيخ الأنبياء ٧ لما رأى ملكوت السموات لقوله تعالى: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ (الانعام- ٧٥) كان يصل من نور الى نور، و يتخايل إليه فى اوّل ما يلقاه انه وصل ثم ينكشف له ان ما ورائه امر اجل منه، فيترقى إليه حتى وصل الى الحجاب الاقرب الّذي لا حجاب بعده و لا وصول الى ما ورائه، قال هذا اكبر، فلما ظهر أنه مع عظمته و شدة نوريته غير خال عن الافتقار الى المبدأ و التسخر له و عن الهوى فى حضيض القصور عن درجة الكمال الاقصى قال: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، (الانعام- ٧٦) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ... (الانعام- ٧٩) الآية.
و سالك هذا الطريق قد يعثر[١] فى الوقوف على بعض هذه الحجب و قد يعثر بالحجاب الاول كالطباعية و الدهرية خذلهم اللّه، و لكن اوّل الحجاب عن اللّه للعبد الّذي له قلب معنوى هو نفسه، فانه أيضا امر ربانى و هو نور من انوار اللّه، اعنى سر القلب و ايمانه الّذي يتجلى فيه عن حقيقة الحق كله، حتى انه ليتسع جملة العالم و يحيط به و يتجلى فيه صورة الكل، و عند ذلك يشرق نوره اشراقا عظيما يظهر به الوجود كله على ما هو عليه، و هو فى اوّل امره محجوب بمشكاة هى كالساتر له و هى الطبع، فاذا تجلى نوره و انكشف جمال القلب بعد اشراق نور اللّه الّذي هو بالحقيقة نور الايمان و العرفان.
فربما التفت صاحب القلب الى القلب فيرى فى ذاته من الحسن و البهاء و السناء ما يبقى متعجبا باهتا كما حكى بعض افاضل الحكماء الاقدمين عن نفسه[٢]، و ربما يدهشه ذلك بحيث يسبق على لسانه فى هذه الدهشة فيقول مثل قول المنصور و شبهه، فان لم يتضح له ما وراء ذلك اغتربه و هلك، و كان التبس عليه المتجلى بالمتجلى فيه كما يلتبس المتجلى فى المرأة بالمنطبع فيها، فيظن ان الصورة فى الحديد، و بهذه العين قد نظر
[١] عثر- اى زل و كبا- العثرة- السقطة و الزلة.
[٢] عنى به افلوطين صاحب كتاب اثولوجيا، لانه قال فى ذلك الكتاب: انى ربما خلوت بنفسى و خلعت بدنى جانبا و صرت كأنى جوهر مجرد بلا بدن، فاكون داخلا فى ذاتى خارجا من سائر الاشياء ... الخ.