شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٧٠ - الشرح
احدهما مهلك و الاخر منجى، فان كان تقوية احدهما بقدر تقوية الاخر و كان كالمستضر بالحرارة اذا تناول من المسخنات ما يضره ثم تناول من المبردات ما يقاوم قدر قوته فيكون بعد تناولهما كأنه لم يتناولهما، و ان كان احدهما غالبا لم يخلو الغالب عن اثر.
فحكم الاعمال تأثيرا فى القلب كحكم الاغذية و الادوية تأثيرا فى البدن، هكذا جرت سنة اللّه فلا يضيع مثقال ذرة من الخير و الشر و لا ينفك عن تأثير فى القلب بتنويره او تسويده و تقريبه من اللّه و تبعيده، فاذا جاء بما قربه شبرا مثلا و كان ممتزجا بما يبعده شبرا فقد عاد الى ما كان فلم يكن لا له و لا عليه، و ان كان الفعل مما يقربه شبرين و الاخر يبعده شبرا واحدا فله لا محالة فضل شبر، قال تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ (هود- ١١٤).
و فى الحديث: من اتبع السيئة الحسنة تمحها، و اذا كان الرياء يمحوه الاخلاص المحض عقيبه فاذا اجتمعتا جميعا فلا بد أن يتدافعا بالضرورة، و يشهد لهذا اجماع الامة على ان من خرج حاجا و معه تجارة صح حجه و اثيب عليه و قد امتزج به حظ من حظوظ النفس، و ربما يقال: انما يثاب على اعمال الحج عند انتهائه الى مكة و تجارته غير موقوفه عليه فهو خالص، و انما المشترك قطع المسافة و لا ثواب فيه مهما قصد تجارة، و لكن الصواب ان يقال: مهما كان قصد الحج هو المحرك الاصلى و كان غرض التجارة كالتابع و المعين فلا ينفك نفس السفر من ثواب.
و كذا الغزاة و ان وجدوا فى نفوسهم تفرقة بين غزو الكفار فى جهة تكثر فيها الغنائم و بين جهة لا غنيمة فيها، لكن يبعد ان يقال: وجدان هذه التفرقة يحبط بالكلية ثواب جهادهم، بل الحق ان يقال: اذا كان الباعث الاصلى و المزعج القوى اعلاء كلمة اللّه تعالى و انما الرغبة فى الغنيمة على سبيل التبعية فلا تحبط به الثواب، نعم: لا يساوى ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه الى غنيمة اصلا، فان هذا الالتفات نقصان لا محالة.
فان قلت: الآيات و الاخبار تدل على ان شوب الرياء محبط للثواب كقوله تعالى:
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (الكهف- ١١٠)، و فى الحديث عن النبي ٦: يقال لمن اشرك فى علمه: خذ اجرك ممن عملت له،