شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٢ - المشهد الثالث
كما لك البيت المتصرف فيه، و ضروب النبات مهيأة لمصالحه و صنوف الحيوان منصرفة فى منافعه.
و اعلم ان التفكر و التدبر فى السموات و ما فيها من الكواكب على وجهين:
احدهما: ما يتعلق بظاهر اجرامها و اعظامها و اشكالها و اوضاعها و هيآتها و حركاتها و ما يترتب عليها من المنافع الجلية، و هذا العلم مما اعتنى بادراكه علماء الهيئة و الهندسة و الطبيعيون كل منهما من جهة اخرى و الكلام فيه طويل لا يليق بهذا الموضع.
و ثانيهما: ما يتعلق بملكوتها و نفوسها المحركة و الملائكة المدبرة اياها تدبيرا إلهيا، و المعتنون بهذا العلم هم العلماء الالهيون و العرفاء الراسخون، فيعرفون ان لكل كرة من السماء و لكل كوكب منها ملكين محركين له لا اقل منهما:
احدهما من المقربين الذين فى الصف الاعلى من صفوف الملائكة و لا تعلق لهم بهذا العالم، و انما يحركون الكواكب و الاجرام على سبيل الغاية كما يحرك المعشوق العاشق او على سبيل افادة المحرك القريب.
و الثانى من الملائكة المدبرين النازلين فى عالم السماء، و يعلمون ان دوراتها عبادات و طاعات للّه سبحانه و ان حركاتها صلوات و تسبيحات، و لكل منها فى تعبده الدائم تشوق إليه و تعشق، و له فى كل حركة و دورة تقرب خاص إليه و نيل وصال و روح اتصال مخصوص ليس قبلها و لا بعدها، و لها فى كل لحظة حشر جديد إليه.
فهى من حيث دنياها و نشأتها الكونية دائمة التبدل و الاستحالة وضعا و جوهرا بتوارد الامثال، و من حيث ملكوتها و صورتها العقلية الموجودة عند اللّه المخزونة فى علمه الثابتة فى عالم قضائه مصونة عن التبدل محفوظة عن المحو و التغير، فصورتها النفسانية كتاب المحو و الاثبات، و صورتها الروحية العقلية اللوح المحفوظ كما فى قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (الرعد- ٣٩)، فهذا علم شريف من العلوم المتعلقة بعجائب فطرة الافلاك و الكواكب اعظم ما يصل إليه فكر الآدمي و لا يمكن الا بالهامه تعالى و لطفه وجوده.