شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٨٣ - الشرح
و الطاعة و ان لم يوافقه فى المرتبة.
ثم لما علم الشارع ان جميع افراد الانسان لا يرتقون من حضيض البشرية الى مدارج العقل، فلا بد لهم من طاعة بدنية و رياضة تكليفية و سياسة يخالف اهوائهم الطبيعية، فلم يدعهم برحمته الشاملة ان يسلموا عن التكليف و الخطاب و يرتعوا فى مراتع الدواب و لم يذرهم يأكلوا و يتمتعوا و يلهوا فحشروا مع الوحوش و البهائم يوم الحساب.
فسلك بهم طريقا و مهد قاعدة و كلفهم بهذه الاعداد و الهيئات تنبيها و عين عليهم هذه الاوقات تذكيرا و تكريرا ليرتبطوا بالانسانية و يتشبهوا بظواهر حقيقة الانسان و يمنعهم عن التشبه بسائر الحيوان، فسهل لهم و سامح معهم بالسهلة السمحاء و اقر لهم بهذا الامر الظاهر فقال: صلوا كما رأيتمونى اصلى، و فى هذا مصلحة كثيرة لا يخفى على العاقل و ان لم يقربه الجاهل.
و اما القسم الحقيقى من الصلاة الّذي هو مشاهدة الحق الاول و المعبود الاعظم بالقلب الصافى و العقل المجرد و النفس الزكية المطهرة عن الامانى و الاغراض الشهوية و الغضبية: فهذا القسم لا يجرى مجرى الاعمال البدنية و التكاليف الحسية و انما يجرى مجرى الخواطر الصافية و المعارف الباقية و إليه اشار النبي صلوات اللّه عليه و آله:
المصلى مناج ربه.
فان مناجاة الرب بالعقل الدراك العلام لا بالاركان و الاجسام، فان هذه المكالمة و المناجاة لا يصلح الا لمن يحويه مكان و يطرأ عليه زمان، اما الواحد المنزه عن الامكنة و الجهات، المقدس عن الازمنة و الاوقات، و من لا يتغير ذاته بوجه و لا تبدل له الاحوال و الصفات، فكيف يعاينه و يكالمه الانسان المشكل المجسم المتحيز المتمكن بهيكله و جسمه و قواه و حسه؟
و من عادة الجسم و الجسمى ان لا يناجى و لا يجانس و يؤانس الا من يراه و يشير إليه، و من لم ينظر إليه يعده غائبا بعيدا و المناجاة مع الغائب محال، و من الضرورة انه تعالى بعيد عن الاجسام غائب عن الابصار، كيف و الجواهر العقلية التى هى من