شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٧ - المشهد التاسع عشر فى لمية زهد العلماء فى الدنيا و الباعث لهم عليه
المشهد التاسع عشر فى لمية زهد العلماء فى الدنيا و الباعث لهم عليه
قوله ٧: «يا هشام ان العاقل رضى بالدون من الدنيا مع الحكمة و لم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم».
منشأ ذلك و مبناه ان العاقل هو الّذي يعلم فضيلة الحكمة و شرفها و بقائها و يعرف خساسة الدنيا و دناءتها و دثورها و فنائها و سرعة انتقال النفس عنها.
و يعلم أيضا ان الحكمة و الدنيا لا يجتمعان فى قلب و ان الدنيا و الآخرة ضرتان[١] متضادتان و هما ككفتى ميزان رجحان كل منهما فقدان الاخر، فتاجر مع اللّه فى ترك الدنيا لاجل الحكمة، فرضى بالدون من الدنيا الّذي يكفى للبلاغ مع الحكمة التى بها القرب من اللّه، و لم يرض بعكسه بان يكون له نعيم الدنيا وافيا و لذتها كاملة و لكن مع قصور فى العلم و المعرفة، فلا جرم كانت تجارته رابحة حيث بدل امرا خسيسا فانيا بامر باق شريف.
و عن امير المؤمنين ٧: لو كانت الدنيا من ذهب و الآخرة من خزف لاختار العاقل الخزف الباقى على الذهب الفانى، كيف و الامر على العكس من ذلك؟ قوله ٧: «يا هشام ان العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب؟ و ترك الدنيا من الفضل و ترك الذنوب من الفرض».
اعلم ان امور الدنيا و شهواتها منقسمة التى ثلاثة اقسام: قسم منها ضرورات لا يمكن التعيش و البقاء بدونها و هى كأنها ليست من الدنيا، لان العبد مكلف باتيانها و انها من الواجبات.
و قسم منها و هى الذات مباحة لا تمنع عن النجاة من النار و عذاب الآخرة لا عن اصل النعيم الاخروى، و لكن يمنع عن مزيد الكرامة و فضل النعمة و كمال القرب منه تعالى و هى المباحات الشرعية من اللذات.
و قسم منها هى التى تؤثر فى النفس لذتها بحيث تورث ظلمة فى القلب و تنتج
[١] الضرتان: امرأتا الرجل، كل واحدة منهما ضرة لصاحبتها.