شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٧٣ - مقدمة الشارح
العلماء او يمارى[١] به السفهاء او يصرف وجوه الناس إليه فليتبوّأ مقعده من النار، الى غير ذلك من الاحاديث و الاخبار الكثيرة فى ذم علماء الدنيا الراغبين فى مالها و جاهها.
و من عجيب ما ذكر فى هذا الباب ما نقله الشيخ الفاضل العامل ناهج مسلك الورع و اليقين، قدوة المجتهدين زين الملة و الحقيقة و الدين العاملى طاب ثراه فى بعض رسائله ناقلا عن بعض المحققين انه قال: العلماء ثلاثة: عالم باللّه غير عالم بامر اللّه، و عالم بامر اللّه غير عالم باللّه و عالم بهما جميعا، فالاول عبد استولت المعرفة الالهية على قلبه فصار مستغرقا بمشاهدة نور الجلال و الكبرياء، فلا يتفرغ[٢] لتعلم علم الاحكام الا ما لا بد منه، و الثانى: هو الّذي يعرف الحلال و الحرام و دقائق الاحكام، و لكنه لا يعرف اسرار جلال اللّه، و اما الثالث: فهو جالس على الحد المشترك بين عالم المحسوسات و عالم المعقولات، فهو تارة مع اللّه بالحب و تارة مع الخلق بالشفقة و الرحمة، فاذا رجع من ربه الى الخلق صار فيهم كواحد منهم كأنه لا يعرف اللّه، فهذا سبيل الصديقين و هو المراد بقوله صلى اللّه عليه و آله: سائل العلماء و خالط الحكماء و جالس الكبراء، المراد بقوله: سائل العلماء: العلماء بامر اللّه غير العالمين باللّه، فامر بمساءلتهم عند الحاجة الى الاستفتاء، و اما الحكماء: فهم العالمون باللّه الذين لا يعلمون أوامر اللّه، فامر بمخالطتهم، و اما الكبراء: فهم العالمون بهما، فامر بمجالستهم، لان فى مجالستهم خير الدنيا و الآخرة.
و لكل واحد من الثلاث ثلاث علامات: فللعالم بامر اللّه الذكر باللسان دون القلب، و الخوف من الخلق دون الرب، و الاستحياء من الناس فى الظاهر و لا يستحيى من اللّه فى السر، و العالم باللّه ذاكر خائف مستحيى، اما الذكر فذكر القلب لا ذكر اللسان، و الخوف خوف الرجاء لا خوف المعصية، و الحياء حياء ما يخطر على القلب لا حياء الظاهر. و اما العالم باللّه و بامر اللّه له ستة اشياء: الثلاثة المذكورة للعالم باللّه
[١] المرية الجدل. مارى مراء و مماراة: جادل و نازع و لاج.
[٢] تفرغ: تخلى من الشغل، و تفرغ للامر: بذل مجهوده فيه.