شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٣٤ - الشرح
يحجبهم عن نفسه و انما حجبهم تدبيرهم.
و قال بعضهم: ان العبد لو هرب من رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لادركه، و لو سأل اللّه ان لا يرزقه لما استجاب دعاؤه و لكان عاصيا و لقال له: يا جاهل كيف اخلقك و لا ارزقك؟ و قال تعالى: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ (الذاريات- ٢٢).
ثم اكد هذا القول بالقسم فقال: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (الذاريات- ٢٣)، و قال رسول اللّه ٦: لو توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا و تروح بطانا و ازال بدعائكم الجبال.
و فى هذا الكتاب الكافى باسناده عن ابى عبد اللّه ٧ قال: كان امير المؤمنين ٧ كثيرا ما يقول: اعلموا علما يقينيا ان اللّه تعالى لم يجعل للعبد و ان اشتد جهده و عظمت حيلته و كثرت مكايدته ان يسبق ما سمى له فى الذكر الحكيم و لم يحل بين العبد فى ضعفه و قلة حيلته ان يبلغ ما سمى له فى الذكر الحكيم و قال تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (الحديد- ٢٢ و ٢٣).
ثم من نظر فى ملكوت السموات و الارض انكشف له تحقيقا ان اللّه تعالى دبر الملك و الملكوت تدبيرا لا يجاوز العبد رزقه و ان ترك الاضطراب، فان العاجز عن الاضطراب لم يجاوزه رزقه، أ ما ترى الجنين فى بطن أمه لما كان عاجزا عن الاضطراب كيف وصل سرته بالام حتى تنتهى فضلات غذاء الام إليه بواسطة السرة و لم يكن ذلك بحيلة الجنين؟ ثم اذا انفصل سلط اللّه الحب و الشفقة على الام لتكفل به شاء أم ابى اضطرارا من اللّه بما اشعل فى قلبها من نار الحب؟
ثم لما لم يكن له سن يمضغ به الطعام جعل رزقه من اللبن الّذي لا يحتاج الى المضغ و انه لرخاوة مزاجه لا يحتمل الغذاء الكثيف قدر له اللبن اللطيف فى ثدى الام عند انفصاله على حسب حاجته أ كان ذلك بحيلة الطفل او بحيلة الام؟ فاذا صار بحيث يوافقه الغذاء الكثيف اثبت[١] له اسنانا قواطع و طواحن لاجل المضغ، فاذا كبر و استقل
[١] كذا فى الاصل، و الظاهر: انبت.