شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٢ - الشرح
فى الغضب و الشهوة و نظائرهما.
فاذا تقرر هذا فنقول: جميع ما يصدر منه فى الاشياء الخارجة لا بد ان يكون منشأها و مبدأها حاصلا أولا فى العرش قبل صدورها و وجودها، لان اللّه تعالى فاعل لها بالارادة و الاختيار، و كل فاعل لشيء بالاختيار لا بد و ان يتصوره أولا و لاجل تصوره اياه يشاؤه و يريده.
و لكن العلم و المشية و الإرادة التى هى العزم امور متغايرة المفهوم، قد يكون متعددة فى الوجود، مترتبة فى الكون كما فى حقنا و فى حق اللّه تعالى واحدة فى الوجود مرجعها الى علمه بنظام الخير على وجه تفصيلى دون علمه الكلى القضائى الّذي فوق هذا العلم، و ذلك العلم محيط بالعرش و ما حواه كما دل عليه قوله تعالى: وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ (هود- ٧)، و قد اوله المفسرون المحققون بالعلم، فهو غير العلم المقيد بكونه فى العرش.
ثم لما كان النازل منه تعالى بواسطة العرش على الاشياء ليس الا الخير و الاحسان و الكرم و اللطف و الامتنان، و مقابلات هذه من الافات و المحن و الشدائد انما يصدر لا بالذات بل هى توابع لا حقة بسبب اكتساب السيئات و فعل القبائح من العباد او بسبب سوء استعدادات من المواد، فمبدأ الافعال الصادرة عنه تعالى بواسطة العرش ليس الا مبدأ الرحمة و منشأ العطوفة و الرأفة، و لهذا يقال له عرش الرحمن و لا يقال عرش الجبار او المنتقم مثلا.
و ليس كالقلب الانسانى الّذي يوجد فيه مبادى افاعيله المتقابلة المتضادة تارة يرق للترحم و تارة يقسو للتعنف و كذا تارة يستهويه الشهوة و تارة يسلبه الانتقام و مرة يهوله الخوف و مرة يختطفه الرجاء، فهو لاجل سرعة تقلبه فى الاحوال سمى بالقلب.
و قيل: ان قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمن.
و اما تخصيص قلب المؤمن بهذا الحكم فانما كان من جهة ان منشأ تقلبه هو اصبعان من اصابع الرحمن لا غير و فيه سر يطول الكلام بذكره، و بالجملة فاللّه سبحانه برحمته الذاتية الاجمالية التى عين ذاته ابدع العرش ليكون وسيلة لرحمته الخلقية