شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٠ - المشهد التاسع عشر فى لمية زهد العلماء فى الدنيا و الباعث لهم عليه
مبنيا على جواز شك فى الآخرة و لكن كلم به الملحد على حد عقله، و بين له انه و ان لم يكن امر الآخرة متيقنا فهو مغرور.
و اما اصله الثانى و هو ان الآخرة شك فهو أيضا خطاء، بل ذلك يقين عند اهل الايمان و ليقينه مدركان:
احدهما تقليد الأنبياء و الاولياء و العلماء و هو مدرك العوام و اكثر الخلق اطمأنوا به كما يطمئن نفس المريض الى تصديق قول الاطباء و الحذاق فى ان النبت الفلانى دواء له و لا يطالبهم بتصحيح ذلك بالبراهين الطبية، و لو كذبهم سوادى[١] فى ذلك فيعلم كذبه لكونه مخالفا لما عليه الفضلاء الحذاق الكثيرون، فلو ترك احد بقوله قول الاطباء لكان معتوها[٢].
كذلك من نظر الى المقرين بالاخرة و المخبرين عنها و القائلين بان التقوى هى الدواء المقتضى للوصول الى سعادتها، و به قال خير خلق اللّه و جميع الأنبياء و الاولياء و الحكماء و العلماء و تبعهم عليه الخلائق على اصنافهم و شذ منهم احاد البطالين الذين غلبت عليهم الشهوة فجحدوا الآخرة و كذبوا الرسل، فقول هذا الغبى الّذي استرقته الشهوات لا يوقع الشك فى صحة قول الأنبياء :، كما ان قول الصبى او السوادوى لا يزيل طمأنينة قلب المريض الى ما قالته الاطباء، و هذا القدر من الاعتقاد الجازم كاف لجملة الخلق لان يستحث على العمل.
و اما المدرك الثانى لمعرفة الآخرة فهو الوحى للانبياء و الالهام للاولياء و البرهان للحكماء، و يجب ان لا يظنن ان معرفة النبي ٦ لامر الآخرة و لامور الدين تقليد لجبرئيل ٧ بالسماع منه كما ان معرفتك تقليد النبي ٦، حتى تكون معرفتك كمعرفته و انما يختلف المقلد، هيهات هيهات: فان التقليد ليس بمعرفة بل هو اعتقاد جازم صحيح، و الأنبياء : عارفون و معنى
[١] اى اهل القرى و البادية.
[٢] العاهة: عرض يفسد ما اصابه كالفساد الّذي يقع فى الزرع من حر او عطش و فى الابل من جرب و غيره، اى الآفة.