شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤١١ - الشرح
فاستدعى بلسان استعداده و اقتضائه الذاتى جنودا و قوى مثل جنود العقل و قواه فى العدد ليتمكن من معارضته و معاداته، فلاجل ذلك سأل من اللّه تعالى سؤالا بلسان الحال ما حكاه بقوله ٧: «فاعطنى من الجند مثل ما اعطيته»، يعنى فى الكثرة و القوة ليتحقق له بكل من تلك القوى و الصفات و الجنود و الآلات المعارضة و المجادلة مع العقل فى سبيل غوايته و طريق ضلالته لينال بغيته و يصل الى منيته.
«فقال:» اى الرب سبحانه، «نعم، فان عصيت بعد ذلك» اى فان عصيتنى بعد ان اعطيتك هذه الجنود و قويتك بهذه القوى المقابلة لقوى العقل و جنوده، «اخرجتك و جنودك من رحمتى، قال: قد رضيت، فاعطاه خمسة و سبعين جندا».
فان قلت: ما العلة و السبب فى كون المعصية مع هذه الجنود يوجب الخروج من الرحمة دون ما كانت المعصية لا معها؟
قلنا: منشأ ذلك ان النفس اذا كانت ضعيفة ناقصة القوى عاجزة عن الافعال لم يكن شديدة الشقاوة كثيرة البعاد عن الحق، و هذا كما ان نفوس السعداء و الصلحاء كلما كانت اقوى و كانت اسباب فعل الخيرات و آلات تحصيل الكمالات فيها اكثر كانت الاخلاق الحسنة و الملكات الفاضلة الحاصلة بسببها اكد و اشد و ادوم و قربه من اللّه و عالم ملكوته الاعلى اعظم.
فكذلك النفوس الشقية كلما كانت اقوى و جنوده و آلاته اكثر و استعمالها فى طريق الشقاوة و منهج الضلالة اكثر كانت الاخلاق السيئة و الرذائل النفسانية المكتسبة منها فى تلك النفوس ارسخ.
فهى اظلم و اشقى و تباعدها عن عالم النور و معدن الخيرات اكثر و سقوطها عن الفطرة و هويها الى اسفل دركات الجحيم و مهاوى نار الحميم انزل و اسقط و اهوى كما قال تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. (النساء- ١٤٥).
فان قلت: النفس بعد حصول هذه القوى و الآلات و الصفات التى هى بمنزلة الامراض و العلل للنفس هل يتصور و يحتمل منها ترك المعاصى و فعل الطاعات أم لا يتصور و لا يحتمل؟ فان لم يتصور فالتكليف بهما تكليف بغير طاقة و ذلك غير جائز