شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٦ - المشهد الثامن عشر فى ان العلم هو الاصل و العمل انما يراد لاجله، فالعلم هو المبدا و الغاية
الصفاء و الطهارة لانها امر عدمى، بل لان ينكشف جلال اللّه و عظمته فى ذاته و صفاته و افعاله، فهذه المعرفة هى الغاية التى لا غاية فوقها للانسان فهى تطلب لذاتها لا لعمل و لا لشيء آخر، فان السعادة حصلت بها بل هى عين السعادة.
فاذا كانت الغاية التى هى المقصودة بالذات هى المعرفة الالهية و كانت الاحوال و الاعمال وسيلة إليها انما يراد لاجلها ففضيلة كل عمل انما هى بقدر تأثيره فى صفاء القلب و ازالة الكدورة و الحجاب عنه، فالعمل المثمر للحالة القريبة من صفاء القلب هو افضل من غيره و كذا تلك الحالة افضل مما دونها، و كذلك يختلف تأثير الاعمال الى احاد النفوس، فرب انسان يكفيه قليل العمل فى تأثر قلبه و صفائه للطافة طبعه و رقة حجابه و رب انسان بخلافه لكثافة طبعه و غلظة حجابه، فربما لم يؤثر فيه العمل و ان كثر لتناهيه فى البلادة و الختم على القلب، و ربما يؤثر كثيرة تأثيرا قليلا.
اذا تقررت هذه المعانى فتحقق و تبين معنى قوله ٧: قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، فمعنى كونه مقبولا اى مؤثرا فى صفاء قلبه و ارتفاع الحجاب عنه، و كونه مضاعفا اى تأثيره فى قلبه اضعاف تأثيره فى قلب غيره، و ذلك لارتفاع اكثر الحجب عنه بممارسة العلوم و الافكار.
فان كل مسألة يتحققها العالم فكأنه يجلى و يصقل به او لاجله قوسا من مرآة قلبه يحاذى بها شطر جزء من عالم الملكوت، فاذا تكثرت و تلاحقت الافكار و الانظار و ترادفت المسائل و العلوم يبلغ القلب فى صفاته الى حد لا يحتاج معه الى كثير عمل.
لكن ما دام الانسان فى دار الدنيا التى هو دار الغرور لا يستغنى بالكلية عن عمل و كسب، لا لاجل إنشاء اصل التصقيل الّذي قد فعل و الكمال العلمى الّذي قد حصل بل للمحافظة عليه و حراسته عن الافات و هى مما يكفيه القليل من الاعمال.
و قوله: كثير العمل من اهل الهوى و الجهل مردود، و ذلك لعدم تأثير الاعمال و الافعال فى تلطيف قلوبهم و ازالة الحجاب و الغشاوة عن ابصارهم و اسماعهم، لان قلوبهم قاسية و نفوسهم جرمانية و حجابهم غليظ و سدهم شديد.