شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٦ - المشهد الخامس عشر فى بعض احوال العقلاء العارفين
معناه انه لا يحجبه كثرة نعم اللّه عليه و وفور فضائله لديه عن النظر الى نفسه بعين المذلة و الافتقار و الى منعمه بعين العظمة و الجود و الاحسان، فيخضع له و يتضرع إليه وقت النعمة كما يخضع و يتضرع وقت البؤس و النقمة فيشكره و يحمده على كل حال، و أيضا لا يزيل صبره فى الشدائد كالجوع و نحوه وجدان ما يحرم عليه فعله كأكل مال اليتيم و نحوه عند شدة الجوع، او لا يغلب ما يرى من الناس صبره فيصبره على اذاهم اياه و يدارى معهم بالوعظ و النصيحة و التعليم.
قوله ٧: «يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما اعان على هدم عقله، من اظلم نور تفكره بطول امله و محى طرائف حكمته بفضول كلامه و اطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما اعان هواه على هدم عقله، و من هدم عقله افسد عليه دينه و دنياه».
قد علمت ان بناء الايمان و القرب من اللّه تعالى على العقل المجرد عن الشهوات، كما ان بناء الكفر و البعد عنه تعالى على الهوى المعبر عنه بالطاغوت.
فاعلم ان لكل من العقل و الهوى خصال تناسبه مضادة لخصال الاخر، فمن خصال العقل التى بناؤه[١] عليها ثلاث هى التفكر و الحكمة و الاعتبار و من خصال الهوى التى بناؤه[٢] عليها ثلاث هى طول الامل و فضول الكلام و قضاء الشهوات، فطول الامل فى الدنيا يمنع عن التفكر فى الامور الالهية و احوال المبدأ و المعاد، بل يحمل النفس على التفكر فى الامور العاجلة و تحصيل اسبابها الظلمانية فهو لا يمنع عن اصل التفكر بل عن الّذي فى الباقيات الصالحات، و هذا هو المراد من قوله ٧:
اظلم نور تفكره بطول امله، اى يتبدل به تفكره فى الانوار الاخروية بتفكره فى الظلمات الدنيوية.
و لما كان العلم و المعلوم متحدين بالذات و الفكر حركة فى العلم فيكون نورا ان كان المعلوم نورا و ظلمة ان كان ظلمة، فصح و اتضح ان طول الامل اظلم نور التفكر و كذلك فضول الكلام يمحو طرائف الحكمة.
[١] اى الايمان.
[٢] اى الكفر.