شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣١ - الثالثة العقل بالفعل
الثانية: العقل بالملكة،
و هو الّذي خرج عن الاستعداد المحض الى شيء من الفعلية، و هى الاوليات من المفاهيم و القضايا التى هى آلة الاكتساب النظريات، فيكون للنفس فى هذه المرتبة قدرة الاكتساب و ملكة الانتقال الى نشأة العقل الحقيقى الفعلى، و انما لم تسم هذه المرتبة عقلا بالفعل لان الوجود العقلى لا يحصل بادراك الاوليات و المفهومات المبهمة، اذ الشيء لا يتحصل بامر مبهم عام ما لم يتعين امرا متحصلا.
هذا هو الحق عندنا فى تفسير العقل بالملكة و وجه افتراقه عن العقل بالفعل على ما هو مبين فى البحوث الفلسفية. و النفس فى هذه المرتبة ان تميزت عن سائر النفوس بتوفر الاوليات فيها و شدة استعدادها و سرعة قبولها للانوار العقلية و الأشعة الصمدية سميت القوة القدسية، و كانت من مصاديق قوله تعالى: «يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ»[١] و ان لم تكن كذلك كانت من النفوس العادية على اختلاف فيها قوة و ضعفا.
الثالثة: العقل بالفعل
: و هو مرتبة حصول النظريات و المعقولات الحقيقية للنفس من دون ان تكون تلك الامور حاضرة و مشهودة بالفعل، و لكنها متى شاءت النفس استحضرتها بمجرد الالتفات و التوجه إليها، و كل صورة من تلك المعقولات كمال و فعلية للنفس، كما ان كل توجه و التفات إليها كمال على كمال و نُورٌ عَلى نُورٍ و برزة للنفس من حجب تراكمت و تركبت و اثقلتها و عرقلت نزوعها شطر العالم النورانى.
و كل برزة اقتراب لها من مبدأ الفعلية و الوجود. فكلما حصل النورية و الادراك او تحقق البرزة و الاشتداد التحقت بها مرتبة من الكمال و درجة من قوس الاقتراب من المبدأ المتعال و منبع العزة و المجد و الجلال، فحقائق النفوس حقائق تقربية و ذواتها ذوات نزوعية تدرجية.
و لا بد من ان نذكر بان هذا المذكور اصل يستخرج منه عدد من القضايا العجيبة فى باب علم النفس و باب كيفية تحقق النشئات اللاحقة و الرجوعات النفسانية.
[١] النور ٣٥.