شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٨ - الشرح
ان لا يراه ما هو عليه من الرجحان و الرزانة.
و قد علمت ان العدالة التى هى من جنود العقل و يسمى بحسن الخلق انما يتم و يكمل اذا حصل جميع شعب القوى الثلاث: يعنى الشهوة و الغضب و الادراك على نهج الاعتدال و ان كلا طرفى القصد فيها مذموم، فالتؤدة و الحلم من جنود العقل و شعب الحق و التسرع و السفه من جنود الجهل و شعب الباطل.
قوله ٧: «و الصمت و ضده الهذر»، الصمت السكوت و الهذر الهذيان و الكلام الّذي لا فائدة فيه.
اعلم: ان من فضائل احوال الانسان السكوت عن الكلام الا عن ذكر اللّه او لضرورة او لفائدة عظيمة، و ان آفات اللسان كثيرة و قد ورد فى مدح السكوت و ذم التكلم من الاخبار ما هو غير محصور، كقول على ٧: لو كان كلامك من فضة يا نفس، ان السكوت من ذهب، و قوله ٧: من صمت نجا، و قيل: أليق شيء ما يكون فى السجن هو اللسان، و قيل: اللسان، صغير الجرم عظيم الجرم، و قال سهل: ما صار الابدال ابدالا الا بأربع خصال: اخماص البطون و الصمت و السهر و الاعتزال عن الناس، و بيان ذلك:
ان العرفاء السالكين الى اللّه تعالى، كان دأبهم فى الرياضة و الذهاب إليه تعالى ان يلتزموا بعد التوبة عن المعاصى الظاهرة، امورا أربعة جعلوها حصنا لهم حصينا يدفعوا به عن نفوسهم قواطع الطريق، فان قصد المريد اصلاح قلبه ليشاهد ربه و يصلح لقربه.
اولها الجوع: فانه ينقص دم القلب فيبيضه و فى بياضه نوره كما فى سواده ظلمته، و يذيب شحم الفؤاد و فى ذوبانه رقته و فى رقته مفتاح المكاشفة كما فى قسوته سبب الحجاب، قال عيسى ٧: يا معشر الحواريين: جوعوا لعل قلوبكم ترى ربكم.
و ثانيها السهر: فانه يجلو القلب و يصفيه و ينوره و ينضاف الى الصفاء الّذي حصل من الجوع، و يصير كالكوكب الدرى و كالمرآة المجلوة فيلوح فيه جمال الحق، و رفع الدرجات فى الاخرى و يرى حقارة الدنيا و آفاتها، فيتم زهده فى الدنيا و رغبته