شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٧٠ - مقدمة الشارح
ان يشد به ازرى و يحط بكرمه وزرى و يشرح لا تمامه صدرى فنهضت عزيمتى بعد ما كانت قاعدة، و هبتت[١] همتى غب ما كانت راكدة، و اهتز الخامل من نشاطى و تموج الساكن من انبساطى، و قلت لنفسى: هذا اوان الشروع و شرح اصول يستنبط منها الفروع، و تحلية الاسماع بجواهر المعانى الفائقة، و ابراز الحق فى صورته المعجبة الرائقة، غير مبال بانكار المنكرين و استنكار الجاحدين المتكبرين، توكلا على اللّه و رجاء منه فى اعانة الصابرين و اغاثة الملهوفين و دفع شرور المعاندين و رد كيد الحاسدين، كما قال تعالى: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (الانعام- ٩١)، قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ (الكهف- ٢٩).
و الرجل المؤمن المتيقن فيما جاءه من الحق و هو على بينة من ربه لا يلتفت الى المشهور، و لا يبالى اذا اصاب الحق من مخالفة الجمهور، فان الجمهور ساكنون فى بيت حجابهم مقيمون فى اوّل نشأتهم و مقامهم، و هو مسافر من مقامه مهاجر الى اللّه و رسوله، و المسافر لا بد له من مخالفة المقيم، فان وافق ذلك نظر ابناء الزمان و اصحاب البحث و البيان، فهو الّذي نرومه منهم و نهواه، و ان لم يوافق نظرهم و لم يهتدوا بهداه، فمعلوم ان الحق لا يوافق عقول قوم فسدت قرائحهم بامراض و علل اعيت اطباء النفوس عن علاجهم، حتى خوطب النبي الهادى ٧: ب إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ (القصص- ٥٦)، فلا جرم اذا شرعوا فى تحصيل العلم و اقتباس النور، ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْباراً فِي- الْأَرْضِ وَ مَكْرَ السَّيِّئِ وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (الفاطر- ٤٢ و ٤٣) و ليس لنا مع هؤلاء و اشباههم كلام و كتاب، و لا بحث و جواب و لا نداء و خطاب، حيثما قال تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها* (الانعام- ٢٥).
و فى الحديث عنه صلى اللّه عليه و آله: ان من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه الا الراسخون فاذا نطقوا به لم ينكره الا اهل العزة باللّه.
ثم اعلموا يا اخوانى المؤمنين: ان علم الحديث كعلم القرآن مشتمل على ظاهر و باطن و مجمل و مبين و تفسير و تأويل و محكم و متشابه و ناسخ و منسوخ، و كما ان
[١] هبا و هبوبا و هبيبا و هبابا: نشط و اسرع، و هب الرجل من النوم: انتبه و استيقظ.