شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٥ - نكتة
و من هذا الوجه يحصل تعلم الصنائع و المكاسب العلمية و العملية، و لو لم يكن هذا التأثر المتلاحق للنفس الادمية و الاشتداد فيها يوما فيوما لم يمكنها تعلم شيء من الحرف و الصنائع و لم ينجع فيها التأديب و التهذيب و لم يكن فى تأديب الاطفال و تمرينهم الاعمال فائدة.
فتلك الآثار اعنى الاحوال تصير ملكات، و الملكة اى الخلق صورة الباطن كما ان الخلق الظاهر، فالخلق و الخلق قد يتخالفان فى بعض الناس، فترى الظاهر بشرا و الباطن قد تحول و صار بهيمة او سبعا او شيطانا و هذا هو مسخ الباطن، و لما كانت القيامة موطن بروز الحقائق بصورها الذاتية بلا التباس و تدليس كما فى الدنيا، فيحشر بعض الناس على صورة القردة او الخنازير او الكلام.
اذا عرفت هذا المسألة الشريفة التى اكثر الناس فى غفلة عنها فنقول:
نبه اللّه تعالى رسوله ٦ على هذا السر، يعنى ان الّذي به فارق الانسان البهائم و الانعام هو ادراك ما يخرج عن عالم الحواس، فمن ذهل عن ذلك و عطل نفسه عن تحصيله و اهمله و قنع بدرجة البهائم و لم يجاوز عالم المحسوسات فهو الّذي اهلك نفسه و ابطل قوة استعداده بالاعراض عن الآيات و التأمل فيها، فنزل الى درجة البهائم و افق الانعام و ترك الترقى الى الملاء الاعلى و كان كافرا لنعمة اللّه عليه و متعرضا لسخطه و نقمته و لذلك قال:
بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا، لان البهائم و الانعام ما ابطلت استعدادها لما كان لها و ما اضلت عن سبيلها التى كانت عليها، و إليه الاشارة بقوله: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. (هود- ٥٦) و أيضا البهيمة يتخلص بالموت و هذه النفوس الضالة باقية بعد الموت الا انها منكوسة الرءوس الى اسفل سافلين كما فى قوله تعالى: وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، (السجدة- ١٢) فبين انهم عند ربهم الا انهم منكوسون منحوسون انقلبت وجوههم الى اقفيتهم و انتكست رءوسهم عن جهة فوق الى جهة اسفل، و ذلك حكم اللّه فيمن اعرض عن آياته و نسوا ذكر اللّه، نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ، (الحشر- ١٩)