شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٦ - الشرح
الّذي هو عين ذاته تعالى و عين علمه بذاته الّذي هو العلم بجميع المعلومات على وجه اشرف و اعلى، و اما العقل الّذي هو اخر الموجودات فى النهاية فمن الانوار المترادفة و التعقلات المتكررة حتى صارت ملكة ثم صورة جوهرية بسيطة قائمة، فعلى كلا الوجهين كان العقل مخلوقا من نور العلم و ماء الحياة الصافى عن كدورة الجسم و ظلمة الهيولى و غشاوة العدم و امتزاج الشر و الآفة.
و اما خلق هذا الجوهر النفسانى المسمى بالجهل فانما يكون وجوده من اللّه تعالى لا بالذات و الاصالة بل بالتطفل و التبعية من الجهات[١]، ففى الابتداء خلق من منبع الشر و هو الجهة الامكانية فى بعض العلل الاوائل[٢] و من قابل الشر و هو المادة التى بها تعلق الوجود النفسانى، فان المادة البدنية علة قابلية لتشخص النفس كما ثبت فى مقامه و ان الهيولى الجسمية انما نشأت من اواخر العقول من حيث جهة امكانها.
فقوله: خلق اللّه الجهل من البحر الاجاج، يكون الاشارة فيه الى مبدئه القابلى و هو المادة الاولى الجسمانى، و اما فى الانتهاء، اى ما كان الجهل جهلا مستفادا بعد ما كان جوهرا ساذجا قابلا للطرفين العلم و الجهل المضاد له متساويا نسبته الى الخير و الشر الوجوديين.
فبتكرر الجهالات و ترادف السيئات و اكتساب التصديقات الكاذبة و الخيالات الفاسدة مع التقليدات و التعصبات الحاجبة حتى ان ترسخت الاكاذيب الوهمانية و صارت كالمسامير المؤكدة فى القلوب، مع ما تولدت عنها من ذمائم الصفات و قبائح الاخلاق و رذائل الملكات، فهذا الجوهر الشيطانى قد يكون من ماء العلوم الكاذبة الممزوجة بالشرور و الظلمات المزدوجة من قبائح السيئات، فعبر عنها بالبحر الاجاج
[١] لكل من الخير و الشر حقائق من عالم المعانى و امثلة حاكية عنها من عالم الصور و الاشباح التى منزلتها من المعانى منزلة الاجساد من الارواح، و لكن حقائق الشرية ليست بامور اصيلة، بل ان هى الا طفيلية وهمية سرابية فى وجه من العبرة و الاعتبار( نورى).
[٢] سوى الواجب. و الجهة الامكانية: اى الامكان الّذي فى بعض العقول و هم العقول الاخيرة.