شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٦٩ - مقدمة الشارح
التعمق فى الامور الربانية بدعة، و التدبر فى الآيات الالهية خدعة، كأنهم الحنابلة من كتب الحديث، المتشابهة عليهم الحق و الخلق و القديم و الحديث، لم يتعد طورهم عن طور الاجسام و لم يرتق نظرهم عن الهياكل و الاجرام، فاعرضوا عن العلوم الالهية و الاسرار العظيمة الربانية التى جاءت به الأنبياء، و نزلت بها إليهم الكتب من السماء، مما مدح اللّه عليها و اثنى على متأمليها فى مواضع عديدة من كتابه المجيد الّذي هو تنزيل من عزيز حميد.
فكنت بقيت على هذا الحال ممسكا عنان الاشتغال، حتى التمست عنى جماعة من الاخوان و رفقة من الخلان المستعدين لكشف الاقوال المستضيئين لنور الاحوال، و كلما زدت فى الاعتذار زادوا فى الاقتراح، و كلما ابيت ابوا الا المراجعة فى طلب الانجاح[١] حتى اوهنوا عزمى على الاستنكاف و رجحوا ميلى الى الاسعاف[٢]، علما منى بان الرحمة الالهية مقتضية لان لا يهمل امرا ضروريا يحتاج إليه الاشخاص بحسب الاستعداد، و العناية الربانية لا تبخل بشيء نافع فى مصالح العباد ذخرا ليوم المعاد، فربما اقتضت رحمته ان لا يختفى فى بطون الاستتار هذه العلوم المنكشفة من عالم الاسرار، و لا تبقى فى الكتمان و الاحتجاب الانوار الفائضة من نور الانوار، فالهمنى الافاضة مما شربنا من علم القرآن و الحديث و سكرنا به من تأويل الاحاديث، جرعة للعطاش الطالبين و لمعة لقلوب السالكين لتحيى بها نفس من شرب منه جرعة، و يتنور قلب من وجد منها لمعة.
فرأيت ان اشرع فى شرح الاحاديث، مستمدا من اللّه مستعيذا به من شر كل عنيد و خبيث، و اخرج تلك المعانى من القوة الى الفعل و التكميل، مبرزا لها من الخفاء الى الوجود و التحصيل، فاعملت فيه فكرى و جمعت على ضم شوارده[٣] امرى و سألت اللّه
[١] اى: الفوز بالمقصود.
[٢] سعف بحاجته، اى: قضاها له.
[٣] شرد شملهم، اى: فرق جمعهم، شوارد، اى: المتفرقات. شوارد اللغة: نوادرها و غرائبها.