شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٦٦ - كلام اخر فى برهان الملازمة
كلام اخر فى برهان الملازمة
ثم انه من الممكن اقرار بعض الملازمات العقلية كالملازمة بين استحالة التكليف بلا بيان و بين حكم الشارع بالبراءة، فعلى افتراض استحالة التكليف المذكور يحكم الشارع بالبراءة، او يوافق على الاقل حكم العقل بالبراءة، و هذه الملازمة عامة مشتركة، لان ملزومها عام مشترك فى الوجدان العام البشرى، و ليس استحالة التكليف بلا بيان رأيا خاصا اتخذه فرد على حساب مباد ثابتة عنده، بل هى رأى عام اتخذته الانسانية على حساب مباد عامة ثابتة عند جميع افرادها، فهذه الملازمة اذن برهان عام يمكن اصدار رأى فقهى على ضوئه، لكونه حجة متعدية، و ليس العقل العام المحتج به هاهنا من العقل المردود عليه شرعيا فى النظام الفقهى و المقول فيه: دين اللّه لا يصاب بالعقول.
فان العقل العام اساس الاحتجاج كله، فاذا رد عليه لم يبق شيء يركز عليه الدعوة السماوية، و لبطل الحساب و الكتاب و بطل كل شيء و انهار كل قانون.
بل العقل المردود عليه هو العقل الخاص النظرى البرهانى الّذي قد يصيب و قد يخطى بتدخل الوهم و تسلل علل المغالطات، و الغرض من الرد عليه سلب التشريع عنه و حجره عن تناول احكام اللّه و منعه عن مصادرة سائر الآراء باسم دين اللّه تعالى على حساب اصوله الخاصة غير المضمونة، فانه لو لم يرد عليه لمحق الدين و اختلقت اديان شخصية مسولة و لغت الدعوة و البعثة و ضل الناس ضلالا بعيدا و فسدت السموات و الارض.
و ليس المراد من الرد على العقل الرد على مثل القياس فحسب، كما يظنه عدة من المحققين، بل المراد هو الرد على العقل من حيث زعمه قدرته على ادراك احكام اللّه من دون الرسل و الحجج :، و هذا الرد بظاهرة ينفى حتى الحجية الخاصة عن العقل الخاص لكن بنفى مبدئه. فالشرع «بناء على ما قد يستظهر هنا» يخبر عن عدم حصول برهان حقيقى على حكم شرعى، لا انه يقره ثم ينفى حجيته، فان هذا محجوج عليه بالعقل العام، و بعد فللكلام ذيل طويل.