شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٨ - المشهد التاسع عشر فى لمية زهد العلماء فى الدنيا و الباعث لهم عليه
عذابا فى الآخرة على اختلاف مراتبها فى هذا الانتاج باختلاف مراتبها فى اظلام القلب بحسب تفاوتها فى شدة اللذة و ضعفها و تفاوت استغراق النفس فيها، فهذه هى المحرمات الشرعية كبائرها و صغائرها، و كلها دون الكفر الّذي هو الحجاب الاعظم، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* (النساء- ٤٨).
اذا علمت هذا فاعلم: ان العاقل هو الّذي ترك فضول الدنيا و ان كانت مباحة لانها تمنع غاية التنزه و كمال التقرب، فكيف الذنوب التى هى ارتكاب المحرمات المورثة لاستحقاق العقوبة الا ان يتفضل اللّه بالمغفرة و التجاوز عنها بالاحسان، فظهر لك ان ترك الدنيا رأسا من باب طلب الفضل و الكمال و ان ترك المعاصى و المحرمات من باب الفرض الّذي يطلب به النجاة عن العذاب و العتق من النار.
فالاول يختص بالاحرار ليصيروا من الاخيار، و الثانى مشترك بين الناس ليصيروا عتقاء احرار من النار غير مقيدين بالسلاسل و الاغلال و لا محبوسين فى مهوى السجين و منزل المحنة و الوبال.
قوله ٧: «يا هشام ان العاقل نظر الى الدنيا و الى اهلها فعلم انها لا تنال الا بالمشقة، و نظر الى الآخرة فعلم انها لا تنال الا بالمشقة، فطلب بالمشقة ابقاهما».
معناه واضح، فان الدنيا أيضا لا تنال الا بمشقة كالآخرة، الا ترى ان لذة السلطنة اعظم لذات الدنيا، ثم ان مشقة الملوك و السلاطين اعظم من مشقة غيرهم من الرعية لمقاساتهم الشدائد و الاهوال و ارتكابهم الحروب و التعرض للجروح و القتال و نهب الاموال و اسر الاولاد و الاحفاد.
فان قال قائل من الذين غرتهم الحياة الدنيا كالكفار: ان الدنيا نقد و النقد خير من النسية فيكون خيرا من الآخرة لانها نسية، و أيضا لذات الدنيا يقين و لذات الآخرة شك فلا يترك اليقين بالشك.
قلنا: هذه اقيسة فاسدة تشبه قياس ابليس اللعين فيما اخبر اللّه عنه، و هى مدفوعة اما بالايمان السمعى او بالبرهان القطعى اما الاول: فهو التصديق بقوله تعالى: وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى*، (القصص- ٦٠)، وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى (الاعلى- ١٧)، وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا