شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٧٩ - الشرح
و سائر الحيوانات كما قال تعالى: أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ (مريم- ٥٩)، و انما اوجب اللّه الصلاة على الانسان و كلف بها نفوس الآدميين لاختصاصها بالعقل الّذي هو موضع سر اللّه و محل معرفته و طاعته و قابل تعليمه و ارشاده و نوره و هداه و اهل كرامته و زلفاه، بخلاف سائر الحيوانات فانها متروكة عن الخطاب مسلمة عن الحساب و العتاب.
ثم لا يخفى على اولى النهى من اهل البصيرة و الهدى دون اهل النفس و الهوى ما فى الصلاة الكاملة من اجتماع معان و خصال ليست فى شيء من الحسنات و العبادات الظاهرة من حضور القلب و التفهم و التعظيم و الهيبة و الرجاء و الحياء، و هذه ست خصال شريفة و حالات كريمة و ملكات عظيمة لا يوجد جميعها الا فى مؤمن امتحن اللّه قلبه بنور المعرفة و الايمان، اما بيانها تفصيلا:
فالاول: حضور القلب: و المراد به ان يتفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له و متكلم به فيكون العلم بما يتلبس به من الافعال و ينطق به من الاقوال بالفعل و لا يكون فكره جاريا فى غيرها، و مهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه و كان فى قلبه ذكر ما هو فيه و لم يكن غافلا عنه فقد حصل حضور القلب.
و الثانى التفهم لمعنى الكلام: و هو امر وراء حضور القلب، فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ و لا يكون حاضرا مع معنى اللفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الّذي اردنا بالتفهم، و هذا مقام يتفاوت الناس فيه اذ ليس يشترك الجميع فى تفهم المعانى للقرآن و الاذكار و التسبيحات، و كم من معان لطيفة يفهمها المصلى فى اثناء صلاته و لم يكن قد خطر بباله ذلك؟ و من هذا الوجه كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر، فانها تفهم امورا تلك الامور تمنع من الفحشاء لا محالة[١].
[١] قال الشيخ محى الدين الاعرابى فى الفتوحات المكية: ان معناه بحسب الظاهر ان المصلى ما دام فى الصلاة ما يتمكن من فعل الفحشاء و المنكر بقدرها، و بحسب الباطن ان العبادة الحقيقية تنهى عن الفحشاء و المنكر اللذين هما بمعنى رؤية الغير و رؤية نفس السالك المتوجه الى اللّه، فان هذا هو الفحشاء و المنكر المنهى عنها لا غيره.