شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٨ - البيان
عبادان قرية.
و منها ان العقل بالمعنى السادس عند طائفة من الحكماء كثير العدد، فتلك الكثرة لو تحققت كما يقولون فليست كثرة تحت نوع واحد، و لا أيضا كثرة بالفصول[١] كما هو عندهم، و لا بالعوارض الخارجية حاشا العالم القدسى عنها، لانها تستلزم الحركة و المادة، بل انما هى مراتب وجودية بسيطة متفاوتة بالاشد فالاشد و الانور فالانور، فهى كانوار و اشعة متفاوتة فى الكمال و القرب الى نور الانوار.
و منها ان الفرق بين الصور العقلية المنتزعة عن المواد بتجريد و نزع و بين الصور العقلية التى هى مفارقة عن المواد فى اصل الفطرة فرق أيضا بالكمال و النقص لا بشيء آخر.
و منها ان العقل الّذي هو عبارة عن الغريزة الانسانية التى بها يمتاز الانسان عن البهائم ليس امرا مساويا فى افراد الناس كلها، بل الحق ان جواهر النفوس الانسانية فى اصل الفطرة مختلفة فى الاشراق و الكدورة و الضياء و الظلمة، فبعض النفوس فى صفاء الجوهر و قوة الذكاء و استعداد الاستضاءة بحيث يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار، فلا يحتاج الى معلم بشرى لان يستكمل ذاته بانوار المعرفة و الهدى، و بعضها فى كدورة الجوهر و خمود نور القريحة بحيث[٢] لا ينجع فيه تعليم و لا تأديب.
فاذا انكشفت عليك ايها السالك هذه المقدمات و الاحكام، و تمثلت فى ذهنك هذه المعانى و الاقسام، علمت ان العقل باى المعانى يقع الاشتباه بينه و بين النكراء و الشيطنة، و منشأ الاشتباه ان كلاهما مشترك فى انهما جودة الروية و سرعة التعقل فى امور و قضايا هى مبادى آراء و اعتقادات فيما يجب ان يؤثر او يتجنب، سواء كانت فى باب الخير و الاجل او فى باب الشر و العاجل، لكن المتعلق بالدنيا من التعقلات و الحركات الفكرية لا يخلو عن افراط و تفريط و اعوجاج و تشويش و اضطراب و عجلة كما هو من فعل الشياطين و عبدة الطاغوت.
و اما الصادر من عباد الرحمن المتعلق بامور الدين و العرفان فيكون على سبيل
[١] اى بالتفريق و كونهم غير متصلين.
[٢] اى لا ينفع.