شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٢٨ - الشرح
عليك بما انعم كالقوة و صحة البدن و سلامة الاعضاء و المال و البنين و الخدم و غيرها فيتصور فرحك بكل منها على وجوه:
احدها: ان يفرح به من حيث انه لذيذ موافق لغرض النفس.
و ثانيها: ان يفرح به من حيث انه دال على عنايته بك و رحمته عليك.
و ثالثها: ان يفرح به لان تستعمله فى طاعة اللّه و ترتقى به الى درجة القرب منه.
فهذه ثلاث درجات فى الابتهاج بنعم اللّه، فالاول لا يدخل فيه معنى الشكر اصلا، لان غرضك مقصور على هواء نفسك بالنعمة لا بالمنعم و هذا حال اكثر الناس، و الثانى داخل فى معنى الشكر من حيث انه فرح بالمنعم و لكن لا من حيث ذاته بل من حيث معرفة عنايته الدالة[١] على انعامه فى المستقبل و هذا حال اكثر الصالحين الذين يعبدون اللّه و يشكرونه خوفا من عقابه و رجاء لثوابه.
و اما الفرح الثالث فهو الشكر التام الّذي فى الفرح، و هو ان يكون فرح العبد بنعمة اللّه من حيث انه يقدر بها على التوصل الى القرب به و النزول فى جواره و النظر الى وجهه الكريم على الدوام، فهذا هو الرتبة العلياء فى هذا الركن من الشكر و علامته ان لا يفرح الانسان من الدنيا الا بما هو مزرعة الآخرة او وسيلة الى القرب منه تعالى.
الركن الثالث العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة النعمة بما هى دالة على عناية المنعم بعبده و تربيته اياه و بما هى وسيلة له الى ما يقربه إليه تعالى. و هذا العمل يتعلق بقلبه و لسانه و جوارحه، اما عمل القلب فالنية و القصد للخير و الاحسان الى كافة الخلق و التفكر فى صنائع اللّه و آثار لطفه و رحمته، و اما عمل اللسان فاظهار الشكر بالتحميدات الدالة عليه، و اما عمل الجوارح فاستعمال نعمة اللّه فى طاعته و التوقى من استعمالها او الاستعانة بها فى معصية اللّه حتى ان شكر العينين استعمالهما فى مطالعة صنع اللّه و تلاوة كتابه و شكر الاذنين استعمالهما فى سماع آيات اللّه و احاديث نبيه و آله : و هكذا فى كل نعمة سواء كانت قوة او جارحة او مالا.
فهذا بيان اركان الشكر الّذي هو جند من جنود العقل و حزب الملك، و
[١] الباعثة( النسخة البدل فى الاصل للشارح).