شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٦١ - الشرح
لا يدرك اصلا لا شوق إليه و ما ادرك بكماله فلا يشتاق إليه أيضا.
ففى كل مشتاق جهتان و نحن نوضح ذلك بمثال: فمن غاب عنه معشوقه بقى فى قلبه خياله فيشتاق الى استكمال خياله بالرؤية، فلو انمحى عن القلب ذكره و خياله و معرفته لم يتصور ان يشتاق، و لو رآه و حصل له لم يتصور ان يشتاق إليه فى وقت الرؤية الا ان يراه من وجه دون وجه، كما يرى وجهه دون شعره او يراه فى ظلمة يشتاق الى استكمال رؤيته باشراق الضوء عليه، و الوجهان جميعا يتصوران فى حق اللّه تعالى بل هما لازمان لكل العارفين، فان ما اتضح للعارف من الامور الالهية و ان كان فى غاية الوضوح فكأنه من وراء ستر رقيق، و كذلك ينضاف إليها شواغل الدنيا فانما كمال الوضوح بالمشاهدة.
و تمام اشراق التجلى لا يكون الا بالاخرة فذلك يوجب الشوق، و لذلك لا بد للعارف الولى ان يتمنى الموت عن هذه النشأة ليرتفع الحجاب كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ (مِنْ دُونِ النَّاسِ) فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (الجمعة- ٦)، فهذا احد نوعى الشوق و هو استكمال الوضوح فيما اتضح اتضاحا.
و الثانى[١] ان الامور الالهية لا نهاية لها، و انما ينكشف لكل عارف بعضها و يبقى امور لا نهاية لها غامضة، و العارف يعلم وجودها بالبرهان و يعلم انه تعالى فوق ما يتناهى بل وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى، فلا يزال متشوقا الى ان يحصل له ما لم يحصل و ان يتضح له ما لم يوضح.
و الشوق الاول ينتهى فى الدار الآخرة بالمعنى الّذي هو رؤية قلبية و لقاء و مشاهدة و لا يتصور ان يسكن فى الدنيا، و لهذا قال امير المؤمنين ٧ و هو اكمل العارفين بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، و لم يقل وضوحا و انكشافا.
و اما الشوق الثانى فيشبه ان لا نهاية له لا فى الدنيا و لا فى الآخرة، فلا يزال النعيم و اللذة متواصلة متزايدة الى غير النهاية و إليه الاشارة بقوله تعالى حكاية عن
[١] اى يراه من وجه دون وجه.