شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٩٤ - الشرح
بالملائكة و الاقتداء بهم فى الكف عن الشهوات و الاستغناء عنها بحسب الطاقة و الامكان، فانهم متنزهون عن الشهوات بحسب الفطرة الاولى.
و للانسان رتبة فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته و دون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه و كونه مبتلى بمجاهدتها، فكل من انهمك فى الشهوات انحط الى اسفل السافلين و التحق بالبهائم، و كل من قمع الشهوات ارتفع الى اعلى عليين و التحق بافق الملائكة لاقتدائه بهم و تشبهه باخلاقهم، و هم المقربون من اللّه تعالى و الشبيه الى المقرب مقرب، لان ذلك القرب ليس بالمكان بل بالصفات، و اذا كان هذا سر الصوم عند اولى الالباب و اصحاب العقول و القلوب فأي جدوى[١] لتأخير اكلة و جمع اكلتين عند العشاء مع الانهماك فى الشهوات.
و لو كان لمثله جدوى فما معنى ما روى عن النبي ٦: كم من صائم ليس له من صومه الا الجوع و العطش؟ و لهذا قال بعض العرفاء: يا حبذا نوم الاكياس و فطرهم كيف يغبنون صوم الحمقى و سهرهم؟
و لذرة عبادة من ذى يقين و تقوى افضل و ارجح من امثال الجبال عبادة من المغترين، و لذلك قال بعض العلماء: كم من صائم مفطروكم من مفطر صائم! و المفطر الصائم هو الّذي يحفظ جوارحه عن الآثام و يأكل و يشرب، و الصائم المفطر هو الّذي يجوع و يعطش و يرسل جوارحه.
و اما صوم خصوص الخصوص: فصوم القلب عن الهمم الدنية و الاغراض الدنيوية و كفه عن ما سوى اللّه تعالى بالكلية لدوام استغرافة بالحق عن الالتفات بغيره، فالفطر فى هذا الصوم الّذي ضده هو الفكر فيما سوى اللّه و اليوم الاخر، و صرف الهمة فى غير ما يراد به طاعة اللّه و طاعة رسوله من اغراض النفس و مقاصد الطبع و بالجملة الاشتغال بامر من امور الدنيا الا دنيا تراد للدين، فان ذلك من زاد الآخرة و ليس من الدنيا حتى قال ارباب القلوب: من تحركت همته بالتصرف فى نهاره لتدبير ما يفطر عليه فى ليلة كتب عليه خطيئة، فان ذلك من قلة الوثوق بفضل اللّه و ضعف اليقين برزقه الموعود، و هذه
[١] اى: النفع.