شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٠ - المشهد العاشر فى انه تعالى ذكر العقلاء الكاملين فى القرآن باجود ما يذكر به شيء و نعتهم باحسن النعوت و السمات
المتأمل فيها يحتاج الى مزيد تجريد للعقل و تطهير للنفس و تهذيب للخاطر عن الوساوس العادية، و تصفيته للفكر عن الاغلاط الوهمية، و انقطاع عن الشوائب الحسية، و لا بد له أيضا من فهم لطيف و طبع مشتعل ذكى و فكر دقيق و قلب نورانى كالقنديل الّذي فيه السراج.
و انما الآيات آيات بالقياس الى مثلهم[١] لا بالقياس الى اهل القساوة و هم اكثر الخلق، و لا بالقياس الى المعرضين عن الحكمة و النظر فى آيات اللّه و هم اهل الجحود، و إليهم الاشارة بقوله: وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ، (يوسف- ١٠٥) فالفائز بمعرفة الآيات و الحكم التى فيها مترق الى درجة الملائكة المقربين و الابرار العليين، و المعرض عنها نازل الى منزلة الفجار الاشرار مع الشياطين فى سجين.
قوله ٧ «و قال: أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (الرعد- ١٩).
هذا من قبيل قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ*، (الرعد- ١٦) فان العالم بصير و الجاهل اعمى، و ذلك لان الانسان مركب من جوهرين: بدن و نفس، و البدن من عالم الملك و الشهادة و النفس من عالم الملكوت و الغيب و لكل منهما اجزاء و قوى بما فيه مثال للآخر بحسب الفطرة، لكن قوى البدن متفرقة فى اعضاء البدن و قوى النفس مجتمعة فى ذاتها، و البدن ابدا فى الانحلال و الاضمحلال و النفس باقية يترسخ بقواها اما فى السعادة و الهدى و اما فى الشقاوة و الضلال و الهوى الى الوبال.
فكما ان للبدن عين يبصر به المحسوسات فللنفس عين يبصر به اليقينيات و هى البصيرة الباطنة، و كل انسان فى مبدأ الامر ذا بصيرة بالقوة فاذا خرجت بصيرته اى عقله من القوة الى الفعل و ذلك بتكرر الادراكات و فعل الحسنات يصير بصيرا بالفعل، و ان لم يسلك هذه السبيل بل اعرض عنها صار اعمى بالفعل بعد ما كان بصيرا بالقوة، و إليه الاشارة بقوله: وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى.
[١] اى العقلاء.