موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٥ - مسئووليّة علماء الإسلام
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ» [١]
، وبالحركة في خط الصحيح يمكنهم تحقيق «الحياة الطيّبة» لهم ولمجتمعه [٢].
إنّ «الحياة الطيّبة» لا يتيسر من خلال اتباع الاقتصاد الرأسمالي، ولا من خلال الانتقاء من النظام الرأسمالي والنظام الاقتصادي في الإسلام، بل من خلال الإصغاء لدعوة اللَّه ورسوله وتعاليم السماء، فالنظام الاقتصادي الإسلامي إذا تمّ تبيينه بشكل صحيح، وتنفيذه وإجراءه على أساس مقتضيات الواقع المعاصر، فإنّه سيؤدي قطعاً إلى إزدهار وفلاح المجتمعات الإسلاميّة ويرسم الحياة الطيبة لهذه الشعوب المسلمة، لأنّ المعيار المهم في الاقتصاد الإسلامي يكمن في التوجه إلى المعنويّة والأخلاق والعدالة، وأنّ الثروة ليست لغرض جمع الثروة وطلب اللذة، وأنّ القدرة ليست لغرض الفخر والمباهات، بل إنّ المال والقدرة وسيلتان لخدمة أبناء البشر وأداتان للرقي المعنوي والسير في خط المسؤوليّة، وبكلمة واحدة وسيلتان لخدمة الحياة الآخرة:
«وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ» [٣].
إنّ اللذة الحقيقيّة والباقية التي يراها الإسلام هي اللذات الأخروية المعنويّة [٤] ومن هذه الجهة فإنّ جميع الأمور الدنيويّة والثروة والقدرة ينبغي أن تتحرك في هذا المسار، ومن الطبيعي أنّ المجتمع الإسلامي في هذه الرؤية والفكر لا يخرج أبداً عن خط الأخلاق والعدالة ولا يتحرك نحو كسب الثروة بأية قيمة.
إنّ الإنسان في مثل هذا المجتمع، في حال العمل بهذه الرؤى والأفكار، يتخلص من الربا، الغش، الكذب، الحرص والطمع، والإسراف والتبذير، كسب الثروة والمال على حساب معاناة الناس، المفاخرة وطلب الملذات على حساب تحقير الآخرين، توكيد الذات والغفلة عن المحرومين، الانحطاط الأخلاقي، إتلاف المنابع الطبيعيّة، العمل على هدم ثروات الأخرين، تخريب البيئة، وانهدام المنابع الطبيعيّة لغرض تحصيل الثروة.
وحالياً مع ما نشاهده من انهدام الاقتصاد التقليدي والاقتصادي النئوالتقليدي ونظام دولة الرفاه، ومعاناة شعوب العالم من هذه النظم، ونداء الاستغاثة الذي يطلقه أهل الخبرة والمتحرقين على البشريّة، يجب على المسلمين أن ينظروا إلى تعاليمهم الدينيّة، بنظرة عميقة، ويؤسسوا نظامهم الاقتصادي والاجتماعي على أساس «البنيان المرصوص» للأسلام، ولا يتورطوا في تجربة أخرى كالطرق المنحرفة والفاشلة من قبيل الرأسماليّة، لأنّ اختلاف الإسلام عن هذه الطرق ليس مجرّد اختلافاً صورياً وشكلياً، بل أكثر من ذلك حيث يمتد إلى المحتوى والمضمون والجذور، فنوع نظرنا إلى الدنيا والثروة والقدرة الماليّة يختلف عن نظرهم على هذه الأمور، وعلى هذا الأساس لا يمكن الوصول إلى آفاق
[١]. سورة الأنفال، الآية ٢٤.
[٢]. «مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً». (سورة النحل، الآية ٩٧).
[٣]. سورة القصص، الآية ٧٧.
[٤]. «وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى». (سورة الأعلى، الآية ١٧)