موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٠ - علاقة السوق الإسلامي بالمسجد، والمدرسة، والمكتبة
عودتهم من متاجرهم يقيمون الصلاة فيها.
وهكذا نرى الإرتباط الوثيق في الإسلام بين المسجد والاقتصاد، فالجو الإسلامي الحاكم على السوق والتجارة ينفخ الروح الإسلاميّة في معاملات السوق، وهذا الجو الديني من شأنه أن يقلل إلى حدود كبيرة من مظاهر عدم العدالة في المعاملات الاقتصاديّة، كما قال أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحقّ به إلى اللّيل» [١].
وتوضيح ذلك: أنّ الأسواق في الماضي لم تكن لها حجرة وحانوت للكسبة، بل كانت من قبيل البسطات على الأرض في هذا العصر، ويجتمع الباعة فيه وكلّ شخص بإمكانه أن يضع متاعه وبساطه في السوق ثمّ يقوم بجمعه في الليل ويتوجّه إلى داره، يقول الإمام عليه السلام: كما أنّ الشخص الذي يدخل إلى المسجد ويحتل مكاناً معيناً منه فإنّه أولى به من غيره، فكذلك سوق المسلمين فكلّ من يحتل مكاناً ومحلًا فيه أسرع من الآخرين فإنّه يملك الأولويّة على غيره بذلك المكان.
ورغم أنّ هذا الحديث ناظر إلى مسألة «السبق» ولكن مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ هذه القاعدة لا تنحصر بالمسجد والسوق، بل تشمل جميع الأنفال وأمثالها، فاختيار التشبيه بالمسجد يوحي بوجود رابطة قوية وجليّة بين المسجد والسوق.
المسجد الجامع وبيت المال:
في بعض المساجد الإسلاميّة كالمسجد الجامع في دمشق في صدر الإسلام كان جزء من المسجد يخصص ببيت المال، حيث يتمّ استلام الأموال من الصدقات والزكوات وغيرها وتحفظ فيه، فإذا أفلس بعض التجّار أو نفذت أمواله في سفره، فإنّه يتمّ دفع مبلغ من المال له من سهم «الغارمين» و «ابن السبيل».
علاقة السوق الإسلامي بالمسجد، والمدرسة، والمكتبة
تقع في بداية سوق طهران مدرسة للعلوم الدينيّة وكان الكسبة في الماضي وقبل افتتاح السوق في كلّ صباح يشتركون في تلقي الدروس الفقهيّة والقرآنيّة، وعندما تدخل إلى مسجد السوق من البوابة الشماليّة «جلوخان» ثمّ تدخل السوق من الجهة الغربيّة أو الشرقيّة مع ذكر اللَّه تعالى، وعند حلول وقت الصلاة يتوجّه التجّار والكسبة إلى المساجد الواقعة في نقاط مختلفة من السوق لإقامة الصلاة، وفي أيّام الجمعة يتوجّهون أيضاً لإقامة صلاة الجمعة، وضمناً فإنّ بيت إمام الجمعة وبعض رجال الدين يقع إلى جانب السوق ممّا له دور مؤثر في إرشاد أهالي السوق بشكل عملي.
ومن جهة أخرى يقول القرآن الكريم
«قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» [٢]
، يعني أنّ كلمات القرآن الحكيمة تعرض عليكم في خطبة صلاة الجمعة وهي أفضل لكم من اللهو والكسب والتجارة.
[١]. الكافي، ج ٥، ص ١٥٥، ح ١.
[٢]. سورة الجمعة، الآية ١١.