موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٣ - ج) مواساة القادة للمحرومين
كان ضيفاً على ابنته في أحد ليالي شهر رمضان المبارك، تقول امّ كلثوم بنت الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام:
لمّا كانت ليلة تسع عشر من شهر رمضان قدّمت إليه إفطار، وطبقاً فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح جريش، فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره فلما نظر إليه وتأمّله حرك رأسه وبكى بكاءً ...
وقال:
«بنيّة أتقدمين إلى أبيك إدامين في طبق واحد؟
أتريدين أن يطول وقوفي غداً بين يدى اللَّه
...
يا بنيّة إنّ الدّنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب» [١].
ومثل هذا المضمون ورد في رواية كنز العمال بتعابير مختلفة، حيث ورد في الرواية أنّ الإمام علي عليه السلام قال وهو يتحدّث عن الدنيا:
«حلالها حساب وحرامها عذاب فدعوا الحلال لطول الحساب ودعوا الحرام لطول العذاب» [٢].
ولعل أقصر وأبلغ تعبير في هذا المورد ما ورد في كلام آخر لأميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:
«تخفّفوا تلحقوا» [٣].
وبالرغم من أنّ الأشخاص الذين يتنعمون في هذه الدنيا من الحلال، لا يوجهون العقاب يوم القيامة، ولكن بما أنّهم سيحاسبون على هذه النعم التي تنعموا بها في الحياة الدنيا، فإنّهم يقلّون من الانتفاع من هذه المواهب لأنفسهم ويرجحون إعطائها للآخرين لينتفعوا بها من أجل التخفيف عنهم يوم القيامة وتسهيل حسابهم لأنّه كما ورد في المأثور:
«نجى المخفَّفون» [٤].
ج) مواساة القادة للمحرومين
إنّ بعض المؤمنين من المتمكنين مالياً، مضافاً إلى أنّهم يهتمون بالطبقة المحرومة وينفقون من أموالهم على الفقراء والمحتاجين، فإنّهم أحياناً يعيشون حالات الزهد والإعراض عن الماديات لأنّهم لا يجدون في أنفسهم القدرة على رفع جميع حاجات المحرومين، وبذلك يحرمون أنفسهم أيضاً من التنعم بإمكاناتهم الماديّة ليقللوا من معاناة البؤساء المحرومين، لأنّ هؤلاء المحرومين عندما يجدون قادتهم وأئمّتهم يعيشون حالات الشظف والتقشف في المعيشة يطيب خاطرهم وتسكن آلامهم، لأنّهم يعيشون كما يعيش قادتهم.
وببيان آخر: إنّ الطبقة المحرومة في المجتمع تعيش مشكلتين: ماديّة ونفسيّة، فمن الجهة الماديّة يعيشون الحرمان والفقر والعوز كما هو واضح، ومن الجهة النفسانيّة فإنّهم يعيشون الشعور بالحقارة والدونيّة والتهميش في المجتمع، والمشكلة الاولى يجب حلّها من خلال التخطيط المدروس في المجالات الاقتصاديّة وبسط العدالة الاجتماعيّة، أمّا المشكلة الثانية فإنّه يمكن التقليل من حدّتها بما ذكرنا آنفاً، وهذا هو ما ورد في كلمات أميرالمؤمنين علي عليه السلام في حديث معروف:
«إنّ اللَّه فرض على أئمّة العدل أن
[١]. بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ٢٧٦.
[٢]. كنز العمال، ج ٣، ص ٧١٩، ح ٨٥٦٦.
[٣]. نهج البلاغة، الخطبة ٢١.
[٤]. مكارم الأخلاق، ص ٤٤٠ (عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله). في بحار الأنوار (ج ٧٤، ص ٥٥) ورد بدل المخفّون؛ يا علىّ نجى المخفّون وهلك المثقلون.