موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥ - المقدّمة آفاق موحشة
على مسيرته في واقع الحياة.
وفي هذه النظريّة يتمّ إشاعة ثقافة الاستهلاك، النفعيّة، طلب اللذة، النسبيّة، وأخيراً ظهور الفواصل الطبقيّة، والاستفادة من وسائل غير أخلاقيّة لتجميع الثروة، وشيوع الأمراض الأخلاقيّة وأشكال الإرباك الاجتماعي، ضعف العلاقات العاطفية، اهتزاز بنيان الاسرة، استعمال المخدرات، وشيوع أمراض الايدز وأمثال ذلك.
مع هذه الرؤية الكونيّة وهذه الأصول والمباني، فإنّ تحرك الفرد على مستوى التفكير بخلاف المتداول والعمل من غير هذا السلوك يعد أمراً عجيباً، وفي الفضاء الاجتماعي الذي يؤكد فيه دوماً على حالات الحرص، طلب اللذة، النفعيّة، تحقيق المزيد من الربح والاستهلاك الكثير، من البديهي أنّه لا مكان للفضيلة، والتقوى، والقيم الأخلاقيّة والمثل الإنسانيّة، لأنّ الشجرة التي تمتد بجذورها إلى حيث طلب اللذة وتتكوّن سيقانها من المنفعة الربح وتسقى بماء الاستهلاك، فإنّها لا تثمر سوى التمييز، الفاصلة الطبقية والخلل الاجتماعي، ولا يمكن اقتطاف ثمرة العدالة ومحبّة الآخرين والأخلاق والمعنويّة من هذه الشجرة.
وفي مثل هذا المجتمع يأخذ الرق شكلًا جديداً ويكون الناس عبيداً للمال واللذات والأهواء.
يقول الكاتب الأمريكيهنري ميلر: «عندما أصدرلينكولن (رئيس جمهورية أمريكا في ذلك الوقت) إعلان الحرية وإلغاء الرق، فقد تصورنا أنّه قد وضع النهاية للرق، ولكن مضافاً إلى بقاء الرق الأسود، فإنّ الرق الأبيض قد ظهر في جو المجتمع، أي عبيد عصر الآلة والتقنيّة» [١].
ويقول الفيلسوف الألماني المتأله بول تيليش الذي عاش في منتصف القرن العشرين: «اليوم نرى من البديهي وصف العصر الحاضر بعصر الاضطراب» [٢].
وغياب البعد الأخلاقي ستكون الإمكانات الماديّة وإرضاء الميول والشهوات هي الهدف، وفي هذا الوقت بالذات فإنّ تأمين الحاجات لا يعدّ المنشأ لإرضاء الناس، بل يمتد إلى منبع المنافسة مع الآخرين، فالتظاهر وتقليد من الآخرين سيكون هو المنهج المتبع، وأمّا الاستهلاك من موقع التفاخر أيضاً فإنّه بإمكانه تحقيق الإرضاء بشكل موقت، لأنّه بدون إيجاد معنى وهدف للحياة فإنّ النماذج الموجودة لا تكون إلّاسوى تبديل نوع فارغ بنوع آخر مثله، وكلّ شخص يجد نفسه، من أجل حفظ مكانته الشرائيّة، غارقاً في طلب المنابع اللازمة بآليات قانونيّة وغير قانونيّة، ومن أجل الوفاء بوعوده في مقابل اسرته وأصدقائه لا يجد من الوقت إلّاقليلًا أو تكون رغبته ضعيفة في هذا الشأن، وستكون الضغوط على الإنسان إلى درجة أنّه لا يستطيع تحملها، ومن هذه الجهة ستؤدي إلى مزيد من الاضطراب والقلق في حالته
[١]. حضارتنا الماديّة في الغرب (تمدّن ماديگرايانه ما غربىها) بالفارسيّة، ص ٥٣.
[٢]. المصدر السابق، ص ٥٢.