موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٧ - آراء علماء أهل السنّة
النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه عندما نزلت آية الكنز قال:
«كلّ مال يُؤدّى زكاتُه فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين وكلّ مال لا يؤدّى زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض» [١].
وفي مقابل هذه الروايات وردت نصوص أخرى في المصادر الإسلاميّة تقرر أنّ مطلق تجميد الأموال، سواءً دفع صاحبها زكاتها، هي من جملة «الكنز» ومن ذلك:
١. ما ورد عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز أدِّى زكاته أم لو تؤدّ» [٢]
(أي أربعة آلاف درهم والظاهر أنّها تشير إلى نفقة سنة).
٢. وورد في الكثير من المصادر الإسلاميّة في سيرة الصحابي الجليل لنبي الإسلام صلى الله عليه و آله أبي ذر رحمه الله أنّه كان يغدو كلّ يوم (على معاوية) وهو في الشام فينادي بأعلى صوته: «بشّر أهل الكنوز بكيّ في الجباه وكيّ بالجنوب وكيّ بالظهور أبداً حتّى يتردّد الحرّ في أجوافهم» [٣].
يقول العلّامة الطباطبائي بعد نقله لبعض روايات الكنز: وذلك أنّ الذي ذكره أبو ذر في خطابه إلى معاوية وعثمان قوله: «إنّ تأدية الزكاة فحسب لا يكفي في جواز الكنز وعدم إنفاقه في الواجب من سبيل اللَّه ...» [٤].
وهذا هو القول الذي اختاره العلّامة الطباطبائي رحمه الله أيضاً.
آراء علماء أهل السنّة:
ينقل «النَوَوي» عن أئمّة المذاهب الأربعة وجمهور علماء أهل السنّة أنّهم متّفقون على أنّ:
«المراد من الكنز المال الذي لا تؤدى زكاته، سواء كان مدفوناً أم ظاهراً، وأمّا اوتيت زكاته فليس بكنز» [٥].
ثم أضاف: ابن جرير الطبري أيضاً، بعد ترجيحه لهذا القول: «الكنز المحرّم في الآية هو مال ننفق منه في سبيل اللَّه في الغزو، وقال: كلّ من الاعتراضين غلط، والصواب قول الشافعي يدلّ عليه الكتاب والسنّة وأقوال الصحابة» [٦].
ويقول «الشوكاني» أيضاً ضمن تأييده للقول أعلاه: «واتفقّ أئمّة الفتوى على القول الأوّل، أي فقال أكثرهم: هو مال وجبت فيه صدقة الزكاة، فلم يؤدّ، فأمّا ما اخرجت زكاته فليس بكنز» [٧].
وكما ترى أنّ هذه الطائفة من علماء أهل السنّة يرون في صدق الكنز عدم دفع الزكاة لا مجرّد الدفن تحت الأرض وإخراج مال من عجلة الإنتاج.
يقول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أيضاً مع نسبته هذا القول للبخاري: «ما لم تجب فيه الصدقة لا
[١]. الأمالي، للشيخ الطوسي، ص ٥١٩، ح ١١٤٢؛ وسائل الشيعة، ج ٦، ص ١٦.
[٢]. بحارالانوار، ج ٨، ص ٢٤٣. ووردت الرواية في منابع أهلالسنة بهذه الصورة: عن علي بن أبيطالب عليه السلام قال: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة و ما فوقها كنز. (المصنّف عبدالرزاق، ج ٤، ص ١٠٩، ح ٧١٥٠).
[٣]. نور الثقلين، ج ٢، ص ٢١٤.
[٤]. الميزان، ج ٩، ص ٢٥٩.
[٥]. المجموع، ج ٦، ص ١٢.
[٦]. المصدر السابق.
[٧]. نيل الأوطار، ج ٤، ص ١٧٣.