موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤ - المقدّمة آفاق موحشة
وبتعبير الشهيد الصدر قدس سره: «إنّ الإنسان الأوروبي ينظر إلى الأرض دائماً لا إلى السماء» [١]، أي القوانين الإلهيّة والقيم المعنوية.
وعلى هذا الأساس فإنّ الاقتصاد الرأسمالي بتغييره للرؤية الكونيّة، تحرك على مستوى السعي الحثيث في مجال الاقتصاد، ونعلم «أنّ الرؤية الكونيّة تمثّل أركان ودعائم البناء، وبالرغم من أنّ هذه الدعائم خفية عن الأنظار، إلّاأنّ تملك دوراً مهماً في ثبات وبقاء البناء» [٢] إذا كانت الرؤية الكونيّة ماديّة، فإنّ النتيجة القطعية لها هو تأسيس نظام مادي، وفي هذا النظام الاقتصادي لا مجال للأهداف الإنسانيّة والقيم الأخلاقيّة وشعار العدالة والرفاه ورفع الفقر، وعلى حدّ تعبير أبي الأعلى المودودي: إنّ زراعة نبات «القطن» يحتاج إلى وجود بذر هذه النبتة، ومن هذه الجهة فإنّ زراعة بذر شجرة الليمون لا يمكنها أن تعطي ثمرة نبات «القطن» وإن كان البذر المذكور من أفضل أنواعه» [٣].
إنّ مشكلات النظام الرأسمالي وعدم وجود طريق لحل التعقيدات في هذا النظام تسبب في توجه بعض البلدان الغربية إلى نظامين آخرين: أحدهما النظام الاشتراكي الذي يقوم على أساس نفي الملكيّة الخاصّة وإلغاء ملكيّة وسائل الإنتاج ورفع شعار «من كلّ شخص بحسب قدرته ولكلّ شخص بحسب حاجته»، والآخر: «نظام دولة الرفاه العلمانية» حيث إنّ الحكومة موظفة في هذا النظام لتحقيق الحدّ الأكبر من العدالة والرفاه وللحكومة دور أكبر في مسألة ضمان العدالة [٤]، ولكن كلا هذين النظامين أخفق في الوصول إلى غاياته المنشودة، النظام الرأسمالي واجه هزيمة منكرة، ودولة الرفاه، التي تشكلت لغرض الوقوف أمام نجاح الاشتراكية في بعض البلدان الغربية، وجذبت في البداية جميع الفئات الاجتماعيّة من العمال وأصحاب رؤوس الأموال فإنّها واجهت الكثير من الإخفاق والفشل [٥].
إنّ العامل الأساس في جميع هذه الإخفاقات يتمثّل في إبعاد واقصاء التعاليم الدينيّة ودور الباري تعالى في حياة البشر ومن دائرة النشاطات الاقتصاديّة، وفي الحقيقة فإنّ حركة «الاومانيسم» ومحورية الإنسان والاعتماد على العمل والتجربة بعيداً عن تعاليم الوحي، لا يؤدّي إلّاإلى هذه النتيجة، وحينما يتحرك الإنسان على مستوى أن يرى نفسه ربّاً وإلهاً على الأرض، فسوف تترتب هذه النتائج المخيفة
[١]. اقتصادنا، مقدمة الطبعة الثانية، ص ٣٥.
[٢]. الإسلام والأزمة الاقتصاديّة (اسلام و چالش اقتصادى) بالفارسيّة، ص ٣٥.
[٣]. المصدر السابق، ص ٣٦.
[٤]. تبيّن من ظهور الأزمة الاقتصاديّة في اوربا عام ١٩٢٩ أنّ اليدالخفيّة (التي طرحها آدم سميت) عاجزة عن حل مشكلة الركود الاقتصادي، ويرى كينز، العالم الاقتصادي البريطاني (م ١٩٤٦) أنّ اليد الخفيّة هي نشاطات الحكومة في حلّ الأزمات الاقتصاديّة. (الإقتصاد والتنمية في نموذج جديد (اقتصاد توسعه يك الگوى جديد) بالفارسيّة، ص ٦٠).
[٥]. الموارد المذكورة أعلاه ذكرها محمّد عمر بپرا في كتابه «الإسلام والأزمة الاقتصاديّة» بشكل تفصيلي ومستند تحت عنوان الأنظمة الفاشلة.