موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٧ - الثاني الإنفاق
يراها الإسلام لم تتجاوز حدود الكلام فقط ولم تتجسد في الواقع العملي من حياة المسلمين، كما ورد في وصيّة النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله لأميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«يا على! ثلاث لا تُطيقها هذه الامّة: المواساة للأخ في ماله ...» [١].
وعلى أيّة حال، فإنّ هذه الوظيفه المهمّة تقع على عاتق المجتمع الإسلامي وخاصّة على المتمكنين والمتمولين منهم، يقول: الإمام الصادق عليه السلام:
«يحقّ على المسلمين ... المواساة لأهل الحاجة» [٢].
الثاني: الإنفاق
يحتل «الإنفاق» مساحة واسعة وعجيبة في الآيات والروايات الشريفة ويعد أحد المفردات المعروفة جدّاً في الأخلاق الإسلاميّة، وروح الإنفاق تتمثّل في إخراج بعض مال الشخص وإعطائه للمحتاجين، وهذه المفردة تقترن عادة بعبارة في «سبيل اللَّه» ويقال «الإنفاق في سبيل اللَّه» الذي يملك مفهوماً شبيه بالعبادة.
إنّ تخلّق المسلمين بهذه الأخلاق الإسلاميّة يعدّ من أهم العوامل في مجال الحيلولة دون تراكم الثروة وتجميع المال ومن هذه الجهة فللإنفاق مكانة سامية في دائرة الثقافة الدينيّة.
«إنفاق» من باب «إفعال» وفي اللغة يعني إخراج الشخص مبلغ من المال من دائرة ملكه، و «النفقة» تعني ما يصرفه المرء في حياته ومعيشته الخاصّة، بالتالي تقلل من ثروة الإنسان وتخرج المال عن ملكه [٣].
والمقصود من الإنفاق هنا هو هذا المعنى أيضاً، وذلك بأن يتحرك الإنسان في مجال تمليك الآخرين من ماله وبإنفاق ثروته منع انحصار الأموال في قبضته وينقذ نفسه من السقوط في ورطة التكاثر المخيفة.
ونقرأ في القرآن الكريم قوله:
«وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ» [٤].
إنّ ثقافة الإسلام لا تقبل بحصر الأموال والإمكانات الماليّة بيد طبقة خاصّة ويعيش إلى جانبهم محرمون ومحتاجون يعانون من الألم والمشقّة، ومن هذه الجهة فالمحتاجون والمحرومون في نظر الإسلام هم شركاء للأغنياء في أموالهم.
ويقرر القرآن الكريم أنّ الإنفاق مع تلاوة الكتاب (بوصفه برنامجاً عملياً) وإقامة الصلاة بمثابة التجارة الرابحة التي لا يصيبها الخسران والضرر:
«إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأقَامُوا الصَّلوةِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّنْ تَبُورَ» [٥].
وكذلك نرى في الآيات القرآنيّة التهديد بالعذاب الشديد للأشخاص الذين لا ينفقون أموالهم في سبيل اللَّه ويهتمون فقط بتجميع الثروة وتكديس الأموال:
[١]. الخصال، ص ١٢٥؛ ما جاء على ثلاثة في وصية النّبي صلى الله عليه و آله لأميرالمؤمنين عليه السلام.
[٢]. الكافي، ج ٢، ص ١٧٤، ح ١٥.
[٣]. انظر: لسان العرب و مجمع البحرين، مادة «نفق».
[٤]. سورة البقرة، الآية ٢١٩.
[٥]. سورة فاطر، الآية ٢٩.