موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٢ - د) مسؤوليّة النخبة والعلماء
حركة الإنسان في أعماله وعقائده من موقع التفكير والتدبر ولا يبادر بوضع أحكام ومقررات إلّابعد إيجاد أرضيّة ثقافيّة لازمة لتجسيدها على أرض الواقع.
ومن هذه الجهة فإنّ الإسلام في موضوع «إكتناز المال» لم يكتف بذكر حرمة هذا العمل بل طرح عشرات المواضيع الأخرى في معرفة واقع الحياة الدنيا وإماطة اللثام عن حقائق العالم المادي، من قبيل: بيان الآثار السلبيّة لحب المال، التكاسل وزوال النعم الماديّة، ذم عبادة الدنيا، التفكير في نهاية هذه الحياة ولزوم استعداد الإنسان للحضور في محكمة العدل الإلهي في القيامة و ... الخ، إنّ الالتفات والتفكير بالحياة الاخرويّة وتعميق هذا الشعور وإيجاد بنيّة ثقافيّة عميقة في أمور العقيدة الدينيّة من شأنها تعديل العلاقة بين المالك والثروة.
ومن هذا المنطلق فقد ربط الإسلام بين أحكامه وبين العقائد والأخلاق برابطة وثيقة، فنرى أنّ القرآن الكريم ذكرها مقترنة [١].
إن المواعظ البليغة والحِكم الواردة من قِبل أولياء الدين وخاصّة عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام في هذا المجال من شأنها أن تثير كلّ إنسان سليم النفس وتعمل على تجفيف جذور «حبّ المال» في أعماق وجود الإنسان.
وفي الحقيقة أنّ كلمات الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام في هذا المجال حالها حال شفرة الطبيب والجرّاح الذي يستأصل غدة الميل للدنيا والتكاثر وإدّخار المال من أعماق وجود الإنسان ونفسه.
ونقرأ في خطبة للإمام علي عليه السلام يقول:
«فلا يغرّنّك سوادُ الناس من نفسك، وقد رأيتَ من كان قبلَك ممّن جمع المال وحذرَ الإقلال ... كيف نزل به الموت فأزعجه عن وطنه وأخذَه من مأمنه ... أما رأيتمُ الذين يأملون بعيداً ويبنُون مشيداً ويجمعون كثيراً، كيف أصبحت بيوتهم قبوراً، وما جمعوا بوراً، وصارت أموالهم للوارثين وأزواجهم لقوم آخرين» [٢].
ومثال آخر من الأحاديث النورانيّة لأهل البيت عليهم السلام ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في علاج حالة حبّ المال الذميمة، والذي يؤثر تأثيراً عميقاً على روح الإنسان:
« (فإذا كان ذلك منك) فاذكر الموت ووحدتَك في قبرك ... وانقطاعك عن الدنيا فإنّ ذلك يحُثُّك على العمل ويُردِعُك عن كثير من الحرص على الدنيا» [٣].
والالتفات إلى مثل هذه الكلمات الحكيمة لأولياء الدين من شأنه أن يخلص الناس من حالات الحرص والطمع، وينقذهم من السقوط في منزلقات التكاثر والإكتناز.
أضف إلى ذلك، ما نجده في التعاليم الدينيّة من المحاسبة على أعمال الإنسان يوم القيامة وحسرة المكتنزين للمال في ذلك اليوم ممّا يزيد في عمق هذه الرؤية وينقذ الإنسان من التورط في شراك هذه الصفة الذميمة.
ورد في حديث عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله في تفسير الآية الشريفة:
«وَكَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ» [٤]
قال صلى الله عليه و آله:
«هو الرجل يدع ماله لا ينفقه في
طاعة اللَّه بخلًا ثمّ يموت» [٥].
وقيل للإمام أميرالمؤمنين عليه السلام: فمَن أكثر الناس حسرة؟ فقال الإمام عليه السلام:
«من رأى ماله في ميزان غيره وأدخله اللَّه به النار وأدخل وارثه به الجنّة» [٦].
د) مسؤوليّة النخبة والعلماء
ومن جملة طرق مجابهة الإسلام لحالة «إكتناز المال» المسئوليّة التي وضعها الدين على عاتق النخبة والعلماء في المجتمع، فهؤلاء مكلّفون بمنع حدوث الفواصل الطبقيّة وتكديس المال بيد فئة خاصّة.
إنّ العلماء يتحمّلون مسؤوليّة منع تكدس الأموال بيد فئة خاصّة من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن هذه الجهة فإنّ أولياء الدين كانوا يعيشون القلق من استلام الحكّام الجهلة مقاليد الحكم وبذلك يقومون بالتلاعب بأموال الامّة وينفقونها في شهواتهم ومطامعهم ولا يصرفونها في ما يخدم الناس، كما أشارت إليه الآيات القرآنيّة.
يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«ولكنّني آسى أن
[١]. انظر: بحث «حاكمية الأخلاق على النظام الإقتصادي الإسلامي» في هذا الكتاب.
[٢]. نهج البلاغة، الخطبة ١٣٢.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٧٦، ص ٣٢٢، ح ٥.
[٤]. بقره، آيه ١٦٧.
[٥]. الكافي، ج ٤، ص ٤٢، ح ٢.
[٦]. عدة الداعي، ص ٩٣؛ بحار الأنوار، ج ٧٠، ص ١٤٢، ح ٢١.