موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٤ - الثالث تحريم التطفيف والإجحاف
العمل خطى خطوة أخرى لغرض تعديل الثروات والتصدي لتمركز المال بيد فئة معينة، ومن البديهي أنّه لولا هذا التحديد لملكيّة المنابع الطبيعيّة فإنّ الأقوياء والطبقة الثريّة يتحركون لاستملاك هذه المنابع قبل الآخرين وأكثر من سائر الطبقات الأخرى، ممّا يؤدّي ذلك إلى تكريس ظاهرة «التكاثر».
ونقرأ في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في ذمه وبراءته من هذه الفئة المترفة وعدّ البراءة منهم من لوازم الإيمان والإسلام:
والبرائة من أهل الاستئثار» [١].
ونقرأ في عهد مالك الأشتر رحمه الله أنّ الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام قال:
«وإيّاك والاستئثارَ بما الناسُ فيه أسوة [٢]» [٣].
وجاء في رواية أخرى عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّ خمس فئات من الناس ملعونون من قِبله ومن سائر الأنبياء الإلهيين، وإحدى هذه الفئات هي الفئة التي تستأثر بالمال العام:
«خمسة لعنتُهم، وكلُّ نبيِّ مُجاب ... والمستأثرُ بالفَىء المستحلُّ له» [٤].
وجاء في رواية عن الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام أنّه قال:
«الإستئثار يوجب الحسد، والحسد يوجب البغضة والبغضة توجب الاختلاف» [٥].
وفي هذا الحديث الشريف، مضافاً إلى بيانه المفاسد الاقتصاديّة لظاهرة «الاستئثار» أشار إلى المفاسد الأخلاقيّة أيضاً، وهي الحسد، الحقد، العداوة الفرقة.
الثالث: تحريم التطفيف والإجحاف
وقد اهتم الإسلام في نظامه الاقتصادي بمسألة رعاية العدل والانصاف في المعاملات، ومن ذلك مسألة التطفيف في الميزان والتي تعدّ من أكبر الذنوب وأنّ المطففين سيواجهون العذاب الإلهي الشديد، يقول القرآن الكريم في هذا الصدد:
«وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ» [٦].
ونرى أنّ القرآن الكريم في هذه الآيات الشريفة ومع الإشارة إلى الحكمة من تحريم التطفيف يقول: إنّ عمليّة التطفيف في الميزان من عوامل الفساد في الأرض ويتحدّث في قصّة النّبي شعيب عليه السلام في خطابه لقومه:
«أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنْ الْمُخْسِرِينَ
* وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ* وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» [٧].
والنقطة الجديرة بالالتفات هنا، التعبير بجملة
«وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»
، وهي إشارة إلى هذه الحقيقة أنّ التطفيف يؤدّي إلى الفساد، لأنّه يتسبب
[١]. عيون الأخبار، ج ٢، ص ١٣٣.
[٢]. كلمة «الأسوة تارة تأتي بمعنى التأسي والاقتداء بالآخر، وأخرى بمعنى المساواة» (مجمع البحرين، ومادة أسا) وجاءت في الحديث أعلاه بالمعنى الثاني.
[٣]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٤]. الكافي، ج ٢، ص ٢٩٣.
[٥]. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج ٢٠، ص ٣٤٥، الرقم ٩٦١.
[٦]. سورة المطففين، الآية ١- ٣.
[٧]. سورة الشعراء، الآيات ١٨١- ١٨٣.