موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٧ - ١ اجتناب المنتجات المضرّة
البحث الأوّل: سيادة الأخلاق في مجال الإنتاج
١. اجتناب المنتجات المضرّة
إنّ العالم المادي لا يلتفت ولا يهتم في منتجاته إلى حالات الضرر الناشيء منها للمستهلكين، ومن هذه الجهة فإنّ المزارع والمصانع ومصادر الإنتاج في العالم المادي تنتج محصولات لها آثار مضرة للمستهلكين وحتى أنّها قد تؤدّي إلى موتهم [١].
وأحياناً يتمّ التوافق بين هذه الشركات وأصحاب الرساميل مع منظمات التدقيق والضبط والتي يصطلح عليها «استاندارد» وبذلك يتمّ عرض المنتجات المضرّة لهذه الشركات في السوق العالمي لمجرّد أنّها تدرّ عليهم أرباحاً وفيرة، في حين أنّ النظام الإسلامي يمنع إنتاج المواد المضرّة بالناس والبيئة، فالإسلام يطلب من الناس إحياء وإعمار الأرض ويقول:
«هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا» [٢].
وينهى الإسلام عن الفساد في الأرض ويذم بشدّة المفسدين ويهددهم بالعذاب الإليم في الآخرة:
«...
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ» [٣].
يقول القرآن الكريم في وصفه لأحد المنافقين في عصر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَايُحِبُ
[١]. ومنها إنتاج المخدرات، حبوب الهلوسة، المشروبات الكحولية، أسلحة الدمار الشامل، الأغذية المضرة.
أحياناً تقوم بالبلدان الصناعيّة بتجربة الأدوية على البلدان الفقيرة في بداية الأمر وبعد الاطمئنان من فاعلية الدواء وسلامته يتمّ الاستفادة منه فى بلدانهم.
أحياتناً يتوجه ضرر بعض صناعاتهم نحو البيئة والحيوانات بل نحو الكرة الأرضية من قبيل الغازات المتصاعدة من المصانع والتي أدّت إلى تخريب طبقة الاوزون ممّا انعكست آثارها المخربة على جميع الكرة الأرضيّة والأحياء فيها.
«وعلى أساس تقارير الامم المتحدة، فإنّ ٩٨ في المائة تقريباً من ثاني اوكسيد الكاربون وسائر الغازات المضرّة الأخرى ناتجة من البلدان الصناعيّة وفقط ٢ في المائة من إنتاج بلدان العالم الثالث.
إنّ المصانع الضخمة في البلدان الصناعيّة تنتج القسم الأعظم من الزبالة الكيميائيّة في العالم، والمراكز العسكريّة عندهم تنتج ٩٩ في المائة من المخلفات المشعة».
واللافت أنّ بعض علمائهم يستخرون علانية من سلامة البيئة ويتهمون الآخرين بأنّهم لا يعيرون أهمية للتطور العلمي ويريدون العودة إلى الطبيعة.
العالم الأمريكي «بورلوك» المعروف بأب الثورة الخضراء استهزأ علناً في خطابه في منظمة الغذاء العالمي (O .A .F) عام ١٩٧١ بانصار حفظ البيئة.
وبعد ٢١ سنة واصل «لسترتارو» المشاور الاقتصادي لبيل كلنتون رئيس جمهورية أمريكا الأسبق هذا الشعار وقال: «في المستقبل تحل امنتجات البشر محل مواهب الطبيعة» وفي كتابه «المواجهة الكبيرة» وضمن استهزائه بمن يقول بلزوم إنقاذ العالم يقول: «إنّ المنابع الطبيعيّة الغيت عملًا من ساحة المنافسة وإمتلاكها لا يعد طريقاً إلى الثروة وعدمها أيضاً لا يعد مانعاً من الثراء» (انطر: مباني سلامة البيئة في الإسلام، ص ١٥ و ١٦).
الواقع أنّ مثل هؤلاء العلماء ومثل هذه البلدان يعيشون الرؤية المادية للحياة ولا يفكرون إلّابالمادة والملذات المادية.
أجل، فعندما يقاس كلّ شيء بمقياس المال والنفع المادي يتمّ الغفلة عن الأضرار المترتبة على المنتجات الصناعيّة للبشر، يقول البرت انشتاين في كتابه «العالم الذي أعرفه»:» إنّ التقدم التكنولوجي وبواسطة الأجهزة والمكائن الضخمة بدلًا من إنتاج الوسائل الضرورية للحياة أنتج مواد تقضي على الإنسانيّة من جذورها» (المصدر السابق، ص ١٩).
[٢]. سورة هود، الآية ٦١.
[٣]. سورة الرعد، الآية ٢٥.