موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٢ - الثاني الالتفات إلى الحساب يوم القيامة
يحق له في نظر القانون المطالبة بالقصاص، ولكن التوصية بالعفو عن الأخ الديني والاكتفاء بالدية، يعني التوصية بالعفو والصفح.
واللافت أنّ القرآن الكريم في هذا المورد يعتبر القاتل أخاً لولي الدم، وهذايعني أنّه حتى في مثل هذه الجرائم المهمّة لا ينبغي قطع رابطة الاخوة بين المسلمين، هذه الرابطة التي من شأنها أن تكون عاملًا للعفو والصفح وعودة القاتل إلى طريق الرشد والصواب.
٥. إرتباط الأحكام الاقتصاديّة في الإسلام مع العقائد
كما تقدّم آنفاً أنّ العمل بجميع أحكام وقوانين الإسلام يمتد بجذوره إلى العقائد الدينيّة، والقرآن الكريم يربط أحكامه في بعض الموارد مع العقائد أيضاً، وبالنسبة للأحكام الاقتصاديّة أيضاً نرى أنّ الإسلام يقرن وضع القوانين بالالتفات إلى المسائل العقائديّة، وهنا نشير إلى بعض النماذج منها:
الأوّل: أصل مالكيّة اللَّه
لفت القرآن الكريم في بعض الموارد من أحكامه الاقتصاديّة نظر المكلّفين إلى أنّ جميع هذه الأموال متعلقة باللَّه تعالى وأنّ اللَّه هو المالك لها في الحقيقة، ومن هذه الجهة فإنّ قبول هذا الأصل والاعتقاد بهذه المسألة يجعل الإنسان مهيئاً لقبول الأحكام الإلهيّة والأوامر الدينيّة:
أ) يقول القرآن الكريم لترغيب المسلمين على الإنفاق:
«وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ» [١].
ب) ويعبّر القرآن الكريم بشكل متكرر بجملة «رزقناكم» و «رزقناهم» وأمثال ذلك وبهذا التعبير يوصي بالإنفاق في سبيل اللَّه، وفي الحقيقة أنّه يريد إفهام الإنسان أنّ ما يملكه من أموال وثروات إنّما هي رزق إلهي عندكم، مثلًا يقول في وصف المتقين:
«وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ» [٢]
وفي مورد آخر:
«وَأَنْفِقُوا مِنْ مَّا
رَزَقْنَاكُمْ ...». [٣]
ج) وبعد بيان أحكام «العبد المكاتَب» ممّا يوفّر الأرضيّة لحريته يقول:
«وَآتُوهُمْ مِّنْ مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ» [٤].
وفي هذا المجال وردت آيات وروايات كثيرة استعرضنا بعضها في بحث الأصول والقواعد التطبيقيّة في الإسلام» في هذا الكتاب.
الثاني: الالتفات إلى الحساب يوم القيامة
كما أنّ الاعتقاد بالمبدأ اقترن مع المسائل الاقتصاديّة، فإنّ التوجه للمعاد ويوم القيامة ورد أيضاً في بعض الآيات مع بيان المسائل الاقتصاديّة، وعلى سبيل المثال:
أ) عندما يحذر القرآن الكريم الناس من إكتناز الأموال وجمع الذهب والفضة وعدم إنفاقها في سبيل
[١]. سورة الحديد، الآية ٧.
[٢]. سورة البقرة، الآية ٣.
[٣]. سورة المنافقون، الآية ١٠.
[٤]. سورة النور، الآية ٣٣.