موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٨ - ٢ إرتباط الأحكام مع العقائد والأخلاق
وتفسيره بما يصبّ في مصلحتهم وبالتالي لا يكون للقانون أثر في سلوكياتهم وممارساتهم.
إنّ المقتدرين الذين لا يملكون القيم الأخلاقيّة والعقائديّة، يتحركون ما أمكنهم للتدخل في مرحلة وضع القانون، ومنذ البدايّة يضعون القوانين بما يصبّ في مصلحتهم وحفظ امتيازاتهم الرئيسيّة والأساسيّة [١].
وفي المرحلة التالية فيما لو كانت ظواهر القانون غير متناسبة وغير متجانسة مع أطماعهم وميولهم فإنّهم يلتفون على القانون ويفسرون متشابهات القانون بما يرضي منافعهم على حساب محكمات القانون [٢].
وفي المرحلة الثالثة يتحركون على مستوى تطميع وتهديد منفذي القانون ومن خلال الرشاوى والضغوط يصلون إلى غاياتهم غير المشروعة ويحققون مطامعهم من هذا الطريق.
وفي نهاية المطاف إذا لم يجد المقتدرون طريقاً لاقرار قانون أو تفسيره بما يصبّ في مصلحتهم أو بتطميع أو تهديد منفذي القانون، فإنّهم يتحركون من موقع المخالفة للقانون علانيّة ولا يمتنعون عن مخالفة القانون بصراحة في هذه المرحلة [٣].
أجل، فما لم يشعر الأفراد في مقابل اللَّه تعالى بالمسؤوليّة ولا يعتقدون بالحساب الإلهي، وما لم تنقلع الرذائل الأخلاقيّة كالحرص والتكبر والغرور والحسد وطلب الجاه والمقام في ظلّ الإيمان والإخلاص من وجودهم، فلا يمكن أن نتوقع منهم العمل بالقانون.
وهكذا بالنسبة للأحكام والقوانين التي لا تمتد في واقع الإنسان والقيم الأخلاقيّة في نفسه كالعفو والصفح وأمثال ذلك، فإنّ المشكلات سوف تظهر وتطفو على السطح، رغم أنّ من الممكن حلّ مشاكل كثيرة بإجراء دقيق وصحيح للقانون، ولكن ما لم يمتزج القانون بالأخلاق في مطاويه وثناياه، فإنّ إجراء القانون لا يقترن بالسكينة الروحيّة والطمأنينة النفسيّة، والعامل المؤثر في تقوية وشائج المجتمع وتوثيق الرابطة بين الأفراد وإضفاء الاستقرار والسكينة على الحياة الجمعية ليس مجرّد القانون الجاف، بل القانون المقترن بالأخلاق، بمعنى أن يكون الهدف من القانون فصل الدعاوي، وقطع الخصومات وإنهاء المشاكل ولا
[١]. النموذج الواضح وضع قانون «حق الفيتو» لخمس من الدول التي تمتلك الرؤوس النوويّة في مجلس الأمن للُامم المتحدة.
[٢]. ومثال ذلك في التاريخ قضية أصحاب السبت وصيدهم للأسماك يوم السبت وإخراجها يوم الأحد من قبل بعض اليهود المتمردين (انظر: سورة البقرة، الآية ٦٥؛ الأعراف، الآية ١٦٣) وفي عالمنا المعاصر حادثة معاملة أمريكا للأسرى الأفغال، فلا يسمح لهم بالبقاء في أفغانستان ليتم التعامل معهم وفق قانون هذا البلد ولا تأخذهم إلى أمريكا ليحاكموا وفق القانون الأمريكي بل سجنتهم في منطقة تسمى «غوانتانامو» التي تقع تحت النفوذ الأمريكي، ولكنها خارج حدود الولايات المتحدة، وبالتالي فهي خارج دائرة القانون الأمريكي لكي تتعامل معهم لا على أساس أنّهم أسرى حرب بل وفق ما تشتهي، والأنكى من ذلك الجرائم الوحشية التي ترتكبها إسرائيل وقتل الفلسطينين وهدم منازلهم بذريعة الدفاع عن النفس.
[٣]. بعد أن لم تتمكن أمريكا من إنتزاع موافقة مجلس الأمن للهجوم على العراق قامت بنقض سيادة هذه الدولة وهجمت عليها بذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل واحتلت العراق، ولكنها لم تستطع العثور على أية علامة على وجود مثل هذه الأسلحة في العراق.