موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٠ - ٥ محدوديات الإنتاج
بهذه الطريقة، ومن هذه الجهة فإنّ أهم التعاليم الاقتصاديّة التي ينبغي للمنظرين الاقتصاديين الالتفات إليها، هي إيجاد ثقافة الاستثمار في الأمور المهمّة والحيويّة، وكذلك الاهتمام بعمليّة الاستثمار في المناطق المحتاجة وخاصّة في البلاد الإسلاميّة.
وعلى ضوء ذلك فإنّ المؤسّسات التي تضع رؤوس أموالها في البنوك الخارجيّة مع وجود حاجة شديدة في المجتمع الإسلامي بعيدة عن الثقافة الإسلاميّة.
يقول الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام في هذا الصدد:
«لم يضع امرؤ ماله في غير حقّه وعند غير أهله، إلّا حرّمه اللَّه شكرهم وكان لغيره ودّهم، فإن زلّت به النعل يوماً، فاحتاج إلى معونتهم، فشرّ خدين وألأم خليل» [١].
وفي نظر الدين فإنّ رؤوس الأموال التي تصرف لشراء اللوازم التجمليّة والمصنوعات الذهبيّة الكثيرة وبنا القصور الفاخرة والمجللة وشراء السيارات الفارهة والغاليّة والأشياء التحفيّة، وبالتالي تخرج عن دائرة الإنتاج وتكون راكدة لا تنفع شيئاً في مجال تفعيل الحركة الاقتصاديّة تعتبر من جملة «الإكتناز» المذموم [٢].
وفي نظر الإسلام فإنّ رأس المال يجب أن يتحرك في مفاصل الاقتصاد إلى جانب علميّة الاستثمار في المجالات الثقافيّة والسياسيّة والإنسانيّة، كيما يتحرك المجتمع في طريق التكامل المالي والاقتصادي إلى جانب الرشد والنمو في المجالات الأخر ويتخلص بذلك من جميع أشكال التبعيّة والإرتباط بالأجنبي.
٥. محدوديات الإنتاج
رأينا فيما سبق أنّ الهدف من «الإنتاج» في النظام الاقتصادي الرأسمالي، التوصل إلى «الحدّ الأكثر من الربح مع الحدّ الأدنى من النفقات»، فالإنسان في هذا النظام يتحرك نحو تحصيل ربح أكثر بنفقات وسعي أقل بعيداً عن الالتزام بالقيم الأخلاقيّة والمعنويّة، وذلك يقوم بانتاج كلّ ما يوصله إلى هذا الهدف حتى على حساب سحق القيم الأخلاقيّة والمثل الإنسانيّة وحتى لو ترتب على ذلك إشاعة المفاسد الاجتماعيّة، ومن هذه الجهة فإنّ عمليّة الإنتاج في هذا النظام ليست محدودة بحدود معينة، فحتى إنتاج الأسحلة الكيمياويّة والمكروبيّة والمخدرات وأنواع المشروبات الكحوليّة والأقراص المخدرة التي تشيع ثقافة التحلل والانحطاط في المجتمع تكون مباحة ومحبذة عملًا، رغم أنّهم يقولون ويكتبون بما يخالف هذا التحرك في شعاراتهم وقوانينهم الرسميّة بحسب الظاهر، ولكن الحقيقة أنّهم وعلى أساس رؤيتهم الماديّة للحياة والعالم لا يبقى لهم طريق من الناحية العمليّة سوى مقولة «الحد الأكثر من الربح».
ولكن الإسلام وبمقتضى رؤيته الواقعيّة للأمور واهتمامه الخاص بالبعد المعنوي والقيم الأخلاقيّة للإنسان وضع بعض القيود في عمليّة الإنتاج، تمتد إلى
[١]. نهج البلاغة، الخطبة ١٢٦.
[٢]. انظر: بحث «إكتناز وخروج الثروات عن عجلة الإنتاج» في هذا الكتاب.