موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٨ - ب) القوى البشريّة
يوصي الأشتر بالاهتمام الخاص بهذه الفئة من الناس إلى جانب أصحاب الصنائع ويعتبرهم من جملة العناصر التي تؤمّن حاجات المجتمع، يقول عليه السلام:
«ثمّ استوصِ بالتجّار وذوي الصناعات، وأوصِ بِهِم خيراً:
المقيم منهم والمضطَربِ بماله والمترفِّقِ ببدنه، فإنّهم موادُّ المنافع وأسباب المرافق وجُلّابها من المباعد والمطارح في برّك وبحرك وسهلك وجَبَلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولايجترؤونَ عليها» [١].
ومن جهة أخرى فإنّ البشر خلقوا بقابليات متنوعة وملكات مختلفة، يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«الناس كالشجر، شرابه واحد و ثمره مختلف» [٢].
وعلى هذا الأساس فإنّ جميع أفراد المجتمع بوصفهم «قوى بشريّة» يعتبرون من جملة رأس مال المجتمع الذي يتولّى تأمين حاجات المجتمع البشري.
يقول الإمام الصادق عليه السلام:
«الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة [٣]
، بما يملكونه من القابليات وقوى ثمينة ومتنوعة.
ومن جهة أخرى فإنّ الأفراد في فضاء المجتمع البشري يحتاج بعضهم للبعض الآخر، وكلّ واحد منهم يتولّى أداء دوره في هذه الشبكة المترابطة من العلاقات والروابط الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
يقول الإمام الصادق عليه السلام في هذا الصدد:
«إنّه لابدّ لكم من الناس، إنّ أحداً لا يستغني عن الناس حياته، والناس لابدّ لبعضهم من بعض» [٤].
وفي الحقيقة أنّ يد القدرة الإلهيّة في عالم الخلق وعلى أساس الحكمة والمصلحة خلقت أفراد البشر بحيث يحتاج بعضهم للبعض الآخر وينتفعون من الخدمات المتقابلة فيما بينهم وللجميع سهم بشكل معين في أمر الإنتاج والعمل المفيد.
يقول القرآن الكريم في هذا المجال:
«نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً» [٥].
وفي الحقيقة أنّ اللَّه تعالى مضافاً إلى تقسيمه الرزق بين الخلائق، فقد قسّم القابليات والأعمال فيما بينهم لتنتظم أمور المجتمع وينتفع البشر لقضاء حوائجهم من خلال التعامل المتقابل فيما بينهم ويتحرك كلّ واحد منهم في خدمة الآخرين بما يكفل تقوية الإنسجام وتوثيق العلاقات بين شرائح المجتمع.
ولا شك أنّ أصل وجود القابليات المتفاوتة في البشر غير قابل للإنكار، ولكن المسألة الأساسيّة في هذا المجال في كيفية الاستفادة من هذه الذخائر القيمة، ففي نظر الدين إذا تمّ مع برنامج دقيق وبإدارة سليمة وضع القوى البشريّة حسب قابلياتهم في المحل المناسب واللائق، وكان مكان كلّ واحد منهم على أساس استحقاقه وليس من مواقع اعتباطية فإنّ المجتمع سيتحرك بسرعة في مسير الرشد والتعالي، ولكن في غير هذه الصورة لابدّ أن نتوقع سقوط وانحطاط المجتمع، ومن هذه الجهة نرى أنّ الإمام
[١]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٢]. غرر الحكم، ح ١٨٨٢.
[٣]. الكافي، ج ٨، ص ١٧٧، ح ١٩٧.
[٤]. المصدر السابق، ج ٢، ص ٦٣٥، ح ١.
[٥]. سورة الزخرف، الآية ٣٢.