موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١ - ٣ التوصية بتحصيل المال حتى في الظروف الحرجة
الرزق الحلال، وتنمية والعمران، والاستقلال الاقتصادي والاكتفاء الذاتي و ... كلّها تحكي نوعاً ما عن أهمية النشاطات الاقتصاديّة ومكانتها الرفيعة في دائرة المفاهيم الدينيّة، وأنّها تحظى بتنوع واتساع كبير، وسيأتي في الفصول اللاحقة في هذا الكتاب بعض معالم هذه النشاطات الاقتصاديّة، وهنا نكتفي بذكر بعض النقاط الأساسية في هذا المجال.
١. حفظ الدين والتقوى مع المكنة الماليّة
من المعلوم في الرؤية العامّة للإسلام، أنّ أكبر قيمة من قيم الحياة الدينيّة التقوى والورع عن الذنوب، وكلّما يقع في مقابل ذلك يحسب مخالفاً للقيم، ويستفاد من بعض الروايات أنّ الفقر الاقتصادي يعتبر عاملًا لبروز أشكال الارباك والخلل والتلوثات الفردية والاجتماعيّة، وأنّ الثروة من شأنها تقوية حالة التقوى والورع في واقع الإنسان.
قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«نِعْم العون على تقوى اللَّه الغِنى» [١].
ويقول ٣ مام الصادق ٧، ٤ الإمام الصادق عليه السلام:
«لا تدع طلب
الرزق مِن حلّه فإنّه عون لك على دينك» [٢].
ونقرأ في رواية شريفة:
«كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إذا نظر إلى الرجل فأعجبه قال له: هل له حِرفة؟ فإن قالوا: لا، قال: سقط من عيني، قيل: وكيف ذاك يا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله؟ قال: لأنّ المؤمن إذا لم يكن له حِرفة يعيش بدينه» [٣].
٢. الأركان الأساسيّة في الدين والدنيا
يرى الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام وجود الثروة ورأس المال المنتج في المجتمع الإسلامي، أحد الأركان الأصليّة في الحياة الماديّة والمعنويّة للناس، ويقول:
«قوامُ الدين والدنيا بأربعة، عالمٍ مُستَعْمِل علمَه ...
وجوادٍ لايَبْخَلُ بمعروفِهِ» [٤].
ونقرأ في رواية شريفة عن الإمام الصادق عليه السلام:
«احتفظ بمالك، فإنّه قوام دينك» [٥].
٣. التوصية بتحصيل المال حتى في الظروف الحرجة
إنّ الإسلام لم يقرر حدّاً معيناً من حيث الزمان والمكان والأشخاص للعمل والسعي والكسب من أجل اعمار الدنيا وزيادة الثروة، وكما أسلفنا أنّ السعي لغرض كسب المنافع الماديّة والاقتصاديّة حتى في السفر المعنوي للحج بلا مانع، ولا تعتبر الأيّام المتأزمة حال الحرب والجهاد مسوغاً لترك العمل والسعي وكسب المال.
يقول الإمام الصادق عليه السلام مخاطباً لهشام:
«يا هشام! إن رأيت الصَفّين قد التقيا فلا تدع طلب الرزق في ذلك اليوم» [٦]
أي جيش المؤمنين والكفّار يلتقون في ميدان القتال.
[١]. الكافي، ج ٥، ص ٧١.
[٢]. أمالى الطوسي، ص ١٩٣، ح ٣٢٦.
[٣]. بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٩، ح ٣٨، وانظر: كنز العمال، ج ٤، ص ١٢٣، ح ٩٨٥٩، عن عمر.
[٤]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم ٣٧٢.
[٥]. وسائل الشيعة، ج ٤، ص ١١٦٠، ح ٨٩١٥.
[٦]. الكافي، ج ٥، ص ٧٨، ح ٧.