موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠ - مقدّمة
الواقعي لهذه الحياة، ويرسم الجانب السلبي المذموم منها، إنّ مثل هذه الأموال وهذه الدنيا ستكون سبباً لسقوط الإنسان في وحل الماديات وتقوده إلى وادي المتاهة والهلكة.
البحث الثاني: مكانة المال والثروة في نظر الروايات الإسلاميّة
مقدّمة:
إنّ الالتفات إلى الأبعاد المختلفة للحياة في وضع القوانين والمقررات يعتبر من خصوصيات وامتيازات الدين الإسلامي الذي يشير إلى إنسانيّة هذا الدين السماوي، ومن هنا نشهد أنّ الإسلام في المسألة الاقتصاديّة والماليّة، وخلافاً لجميع المدارس الاقتصاديّة في العالم، لا يفكر فقط بالقدرة الاقتصاديّة بل يلتفت، في عين اهتمامه بالقدرة الاقتصاديّة، برؤية ثاقبة إلى رعاية المقتضيات الروحية للإنسان، وفي هذه الرؤية لابدّ أن يمتلك الإنسان من الروحيّة والكمال المعنوي بحيث لو وضعت جميع نعم الدنيا في اختياره لا يقع أسيراً لها، وإذا سلبت منه جميع النعم يوماً ما فإنّه لا يعيش الإخفاق واليأس في واقع الحياة، وهذا هو ما ورد عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام في تعريفه للزهد الإسلامي:
«الزهد بين كلمتين من القرآن، قال اللَّه سبحانه: «لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ» [١] ومَن لم
يأس على الماضى ولم يفرح بالآتى فقد أخذ الزهد بطرفيه» [٢]
وبهذه الرؤية فإنّ الدنيا لا تقع فقط في مقابل الآخرة، بل تقع بشكل دقيق في مسير الآخرة، ومن هنا فالاهتمام بأمر الدنيا يمتد إلى درجة كأنّ الإنسان يبقى في الدنيا دوماً، والتوجه إلى الآخرة أيضاً يكون إلى درجة وكأنّ الإنسان يموت غداً، وهذا النوع من الرؤية يختص بالدين الإسلامي، ولا يوجد له نظير في المدارس والأديان الأخرة.
وقد ورد في الرواية المشهورة عن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه قال:
«إعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً» [٣].
ومن هذه الجهة فإنّ هذه الثقافة ليست فقط تؤكد على الكسب والعمل والسعي، بل تجعله من العبادات الكبيرة.
يقول ابن الأثير في شرح حال سعد الأنصاري:
عندما عاد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله من غزوة تبوك استقبله سعد الأنصاري وصافحه فقال له النّبي:
«ما هذا أكبت [٤] يديك؟ قال: يا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أضرِبُ
بالمَرّ والمِسحاة، فأنفقه على عيالي، فقبّل يده رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وقال: هذه يدٌ لا تمسّها نارٌ» [٥].
مع الالتفات إلى هذه المقدمة ينبغي القول أنّ الروايات المتعلقة بأهمية العمل والكسب والتجارة وطلب
[١]. سورة الحديد، الآية ٢٣.
[٢]. نهج البلاغة، الحكمة ٤٣٩.
[٣]. من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ١٥٦، ح ٣٥٦٩.
[٤]. أكبت، أي أخشن.
[٥]. اسد الغابة، ج ٢، ص ٢٦٩، تاريخ بغداد، ج ٧، ص ٣٥٣.