موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٩ - ٢ الحيلولة دون تشكيل السوق السوداء
بموارد خاصّة، وأنّ الاستفادة من قاعدة «لا ضرر» يتعلق بموارد أخرى.
ومن اللازم الإشارة إلى هذه النقطة، وهي أنّ بعض الفقهاء يرى أنّ الوالي أو المسؤول الحسبة كما أنّه يجب عليه الحيلولة دون زيادة الأسعار فيجب عليه أيضاً الحيلولة دون انخفاض الأسعار أيضاً إذا كان بقصد إلحاق الضرر بالتجّار الآخرين.
وقد نقلوا هذه الفتوى عن مالك- أحد الأئمّة الأربعة لأهل السنّة- [١]، ومع الالتفات إلى اتساق هذه الفتوى مع قاعدة «لا ضرر» فلا مانع من القول بها.
٢. الحيلولة دون تشكيل السوق السوداء
إنّ السوق السوداء والتي تسمّى في الاصطلاح الفقهي ب «الإحتكار»، من الأمور التي ورد النهي عنها بشدّة في الإسلام.
والإحتكار من مادة «حُكر» ويعني الإدّخار والخزن والحفظ [٢]، وفي اصطلاح الفقهاء «عبارة عن شراء البضاعة في حال غلائها وحاجة الناس لها وحفظها وخزنها لغرض زيادة قيمتها» [٣].
وقد نهى الإسلام بشدّة عن الإحتكار وفي بعض الموارد إذا كان الجنس المحتكر يمثّل حاجة ضروريّة للناس فهو حرام في نظر الإسلام، والإحتكار يؤدّي إلى زيادة الثروة بشكل سريع واستغلال المحتكرين لوضع السوق وبسبب ذلك فإنّ الأسعار ترتفع بشكل خيالي وغير حقيقي وتتسبب في زيادة الضغط على الطبقة الضعيفة في المجتمع.
ولغرض الحيلولة دون الإحتكار وإيجاد السوق السوداء يجب على الحكومة الإسلاميّة استخدام حقّها في الرقابة وعمليّة الإشراف على السوق والمعاملات الاقتصاديّة والتصدي للمحتكرين والنفعيين بالوقت المناسب والحيلولة دون وقوع الظلم على الناس.
يقول أحد شرّاح نهج البلاغة في شرح العبارة المعروفة للإمام أميرالمؤمنين في عهده لمالك الأشتر:
«فمن قارف حُكْرة بعد نهيك إيّاه فنكّل به، وعاقبه في
غير إسراف» [٤]:
«وقارف حُكرة: واقعها. والحاء مضمومة. أمره (أي الإمام عليه السلام) أن يؤدب فاعل ذلك من غير إسراف.
وذلك أنّه دون المعاصي التيتوجب الحدود. فغاية أمره من التعزير الإهانة والمنع» [٥].
ونقرأ في رواية أخرى عن هذا الإمام عليه السلام:
«إنّ
رسول اللَّه مرّ بالمحتكرين، فأمر بحُكرتهم أن تخرج
إلى بطون
الأسواق وحيث تنظر الأبصار إليها» [٦]
. وعلى هذا الأساس فإنّ أحد الطرق لمجابهة المحتكرين هو إخراج بضاعتهم من مخازنهم وعرضها في السوق على الناس لبيعها.
وهذا هو الحكم الوارد في رسالة أخرى لأميرالمؤمنين علي عليه السلام لأحد عمّاله أنّه قال:
«ثمّ عاقبه
[١]. انظر: المجموع، النووي، ج ١٣، ص ٥٠؛ الموسوعة الفقهية (الكويتية)، ج ١١، ص ٣١٠، مادة التسعير.
[٢]. لسان العرب، مادة «حكر».
[٣]. المجموع، النووي، ج ١٣، ص ٤٤.
[٤]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٥]. شرح نهجالبلاغة، ابن أبي الحديد، ج ١٧، ص ٨٥.
[٦]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٣١٧، ح ١.